خطوبة طليقي – حكايات زهرة

لمحة نيوز

​سارة بصت للملف باستغراب، وجت تمد إيدها، بس حسام اتقهر، وشه اتخطف وفجأة حرك إيده بسرعة عشان يخطف الأوراق من إيدي وهو بيصرخ: “أنتِ اتجننتي؟ ورق إيه وقرف إيه ده! هاتي الورق ده هنا!”
​وقفت في وش خطوته بمنتهى القوة وثبت مكانها، وبصيت لـ سارة وقلت بصوت عالي وواضح خلي الناس القريبة في النادي تبتدى تلتفت لينا: “الورق ده يا سارة، أحكام قضائية وتنفيذات من المحكمة بقضايا تبديد عفش، ونفقة متأخرة بقالها سنة ما اتدفعتش، ومحاضر عدم تعرض كنت عاملاها فيه لما كان بيجيلي تحت البيت يصرخ ويشتم عشان يهددني أتدمتنا عن حقوق بنته! ودي أحكام نهائية يعني البيه هربان من تنفيذها ورجليه ورجلين أهله بقوا على كف عفريت!”
​سارة تنحت، وشرارت الشك بدأت تطلع من عينها، وبصت لـ حسام بغضب: “إيه الكلام ده يا حسام؟ أنت مش قايل لي إنك مخلص كل حاجة مع طليقتك بالود وإنها هي اللي تنازلت عن كل حقوقها علشان عارفة إنها غلطانة؟”
​حسام وشه بقى ألوان، العرق بدأ ينزل من جبهته رغم الجو العادي، وقال وهو بيحاول يتدارك الموقف ويهدّي اللعب: “سارة.. ما تسمعيش كلامها! دي واحدة غيورة ومغلولة وعايزة تخرب بيتنا وتوقع بينّا من قبل ما نبدأ! أنتِ هتصدقي الهبل ده؟”
​ضحكت بصوت عالي وخليت ضحكتي تترد في المكان، وقلت لها: “يا حبيبتي صدقيه طبعاً! أصل البيه خطيبك لابس قناع ابن الناس المليان اللي بيكب فلوس ويمشي، وهو اصلاً شطب حسابه في البنك وعامل نفسه حافي عشان القاضي ينزل نفقة بنته لملاليم! مش بس كده.. الفلاشة دي بقى يا سارة، عليها تسجيلات صوته وهو بيتحايل عليا أرجع له قبل ما يخطبك بشهر واحد بس! صوته وهو بيبكي وبيقولي إنه مش عارف يعيش من غيري، وإنه هيخطب أي واحدة وخلاص عشان بس يغيظني ويحسسني إن فيه واحدة تانية قبلت بيه!”
​هنا، الأرض اتزلزلت تحت رجلين حسام. سارة اتنفضت وقالت بصوت مذهول وهي بتبص للسي دي والفلاشة: “تسجيلات؟ يترجاكي ترجعي له قبل ما يخطبني بشهر؟”
​حسام اترمى على الفلاشة عشان يمسكها، بس أنا كنت أسرع ورجعتها شنطتي، وبصيت له بمنتهى الاشمئزاز وقفل السوستة: “أنت فاكرني غبية؟ فاكر لما تبعتلي كلام وسخ وقذر على لسان بنتي اللي عندها ست سنين، كلام تلوث بيه طفولتها وتفهمها إن أمها بتغير، إني هسكت لك؟ فاكر إن البنت لعبة في إيدك تعدي بيها عقك النفسية؟ أنت بني آدم مريض، ومحتاج تتعالج مش تتجوز!”
​سارة مسكت إيد حسام ونفضتها بعنف، وبقت تبص له بصدمة وقرف مش طبيعي، وقالت بحدّّة: “أنت كنت بتخليني أقعد مع البنت عشان تتبادل معايا كلام قذر قدامها وتوصله لأمها؟ أنت بتستغلني وتستغل بنتك عشان تعمل نمرة على طليقتك؟”
​حسام بقى يتلعثم ومش عارف يدافع عن نفسه: “سارة أفهمكي.. سارة صدقيني دي بتتبلى عليا.. دي تمثيلية معمولها سيناريو عشان تضايقنا!”
​رديت عليه بثبات يهد الجبال: “تمثيلية؟ طب إيه رأيك بقى إن الأوراق دي أصلية وفيها أرقام القضايا، وتقدر خطيبتك المحترمة تدبّس الرقم في أي مكتب محاماة وتعرف البيه عليه كم قضية وأحكام بجد ولا لأ! وقسماً بالله يا حسام، لو فكرت مجرد تفكير تفتح بقك بألفاظ مش محترمة تاني قدام منه، أو تحاول تحشي دماغها الصغيرة دي بسمومك وبلاويك، الأوراق دي هتوصل لأب خطيبتك ولعيلتها كلها، غير إن المحاضر القديمة هتحرك القضايا وهتتسحب من قفاك في نص الشارع!”
​الناس في النادي بدأوا يتجمعوا ويتسامروا بالبص، وحسام بقا أطول حاجة فيه لسانه بس جسمه كان بيكش ومكسور قدام رد فعلي القوي اللي ما كانش عامله أي حساب. هو كان فاكر إني هفضل الست الطيبة الساكتة اللي بتخاف على شكلها ومشاعره، وميعرفش إن الأم لما تحس إن بنتها خط أحمر بتبقى وحش بياكل الأخضر واليابس.
​سارة سحبت شنطتها بعنف، وبصت لـ حسام بمنتهى الازدرء وقالت له: “أنت إنسان مريض ومخادع.. أنا كان قلبي حاسس إن في حاجة غلط من كتر ما كنت مهووس تبين قدام البنت إننا مبسوطين! شكراً يا مدام إنك نورتيني قبل ما ألبس اللبسة دي وأندم بقية حياتي!”
​لفّت سارة ظهرها ومشت بسرعة وهي بتجري ناحية بوابات النادي، وحسام واقف مشدوه، عينه رايحة بين سارة اللي بتضيع منه وبين الأوراق اللي في إيدي. بصلي بغل وقال بصوت واطي ومخنوق: “أنتِ خربتي بيتي.. دمرتي كل حاجة!”
​قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينه بجمود: “أنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن بنتك كارت تلعب بيه.. بنتك دي حتة مني ومن كرامتي، لما تتجرأ وتلوث أذنها وتربي فيها عقدك ومشاكلك، يبقى أنت بتبدأ حرب معايا والأم لما تحارب عشان حماية بنتها ما بتسميش على حد.”
​كملت كلامي بصوت حاسم كالسكين: “رؤية منه من هنا ورايح مش هتم غير في مكان رسمي، وتحت نظري وبحضور أخصائي اجتماعي لو تطلب الأمر، ومش هتشوفها إلا لما تتعلم إزاي تحترم سنها وتكون أب بجد.. مش مجرد ذكر بيحاول يغيظ طليقته على حساب براءة بنته. وأول ما تفكر تتخطى حدودك، الأوراق دي هتروح للنيابة فوراً.”
​سيبته واقف في نص النادي وشه أسود زي الطين، مش عارف يلحق خطيبته اللي سابته وجريت ولا عارف يداري وشه من الناس اللي بقت تبص عليه بقرف.
​لفيت وربطت على كتفي، ورحت ناحية منطقة الألعاب.. لقيت “منه” بتجري وتلعب ومبسوطة. قربت منها، قعدت على ركبتي، ومسحت على شعرها، وابتسمت لها ابتسامة حقيقية من جوه قلبي، ابتسامة أم استردت حق بنتها وحمت براءتها من التلوث.
​منه بصت لي ببراءة وقالت: “يا ماما.. هو بابا وطنط سارة مشيوا ليه؟”
​حضنتها بوسط دراعاتي بقوة وقلت لها بصوت مليان حنان وراحة: “مفيش يا روح قلب ماما.. بابا عنده شغل، وحب يطمن عليكي ويروح. يلا بينا نجيب أيس كريم ونلعب شوية حلوين؟”
​البنت نطت بفرحة وقالت: “هييه! ياللا يا ماما!”
​مسكت إيد بنتي الصغيرة ومشيت، وأنا حاسة إن ظهري مشدود وسماء الدنيا أصفى. عرفت ساعتها إن السكوت مش دايماً أدب ولا التنازل دايماً حكمة.. ساعات لازم توقف المريض عند حده، وتوريه إن الأمهات لما بتغضب بتعرف تجيب حق أولادها وتكسر غرور أي حد يتجرأ يمس طفولتهم.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *