اهانة علني ٢ – حكايات منى السيد
الجزء الثالث والأخير
الساعة كانت داخلة على حداشر ونص لما العربيات اتحركت من قدام الأوتيل. موكب كامل من أربع عربيات دفع رباعي سودا، يتقدمهم عربية الباشا المحامي، وفي العربيات اللي ورانا كان قاعد رجالة والدي اللي مربيهم على إيده؛ حرس قدام من أيام ما كان الحاج عبد الحميد المنشاوي يدخل أي مصلحة تتهزله الشوارع. الرجالة دول مكانوش بياكلوا عيش من شريف ولا كانوا معترفين بيه أصلاً، وكانوا مستنيين بس إشارة واحدة عشان يوروه حجمه الحقيقي.
كنت قاعدة في الكنبة اللي ورا، لابسة طقم أسود كلاسيك، رافعة شعري لفوق، وحاطة نضارة شمس مغطية نص وشي، بس النار اللي كانت بتغلي جوايا كانت كفيلة تحرق بلد. على يميني كان عادل المحامي عمال يراجع المحاضر وأوامر الضبط القضائي وأوراق التمكين الصادرة من النيابة المستعجلة، وعلى شمالي كان نايم ياسين في حضني، بعد ما رجالتنا راحوا الحضانة وجابوه في أقل من عشرين دقيقة من غير شوشرة. كان نايم بريء، مش داري إن أبوه اللي من صلبه كان ناوي يحرمه من أمه ويرميه في الدنيا عشان شوية ورق بنكنوت وشوية مياصة من واحدة ملهاش أصل.
ملست على شعر ياسين وبُسته في جبينه، وقلت للسواق بنبرة قطعت حبل الصمت في العربية نزّل ابني مع الدادة في فيلا خالتي في الزمالك، ورجالتنا يفضلوا محاوطين البيت دبانة متعديش من جنبهم.. وبعدها اطلع بيا فوراً على البرج الإداري في التجمع.
أمرك يا مريم هانم، رقابنا سدادة.
وصلنا البرج الإداري بتاع مجموعة شركات المنشاوي الساعة كانت اتناشر إلا خمسة بالظبط. البرج ده بالذات، أبويا بناه طوبة طوبة وسماه باسم العيلة، وكان فخر المجموعة كلها. أول ما العربيات وقفت قدام البوابة الرئيسية، أفراد الأمن بتوع البوابة اتلخبطوا، وكانوا جايين يجروا يمنعوا العربيات تركن في المكان المخصص لأعضاء مجلس الإدارة، بس أول ما نزلت ورجالة والدي نزلوا قبلي وفتحوا الباب، رئيس الحرس القديم في الشركة ضربلي تعظيم سلام وصوته رج المكان حمد الله على السلامة يا ست هانم! الشركة نورت.
بصيتله وهزيت راسي بهدوء الله يسلمك يا عم رجب.. جهزلي مفاتيح المصاعد الخاصة بالدور الأخير، ومش عايزة نملة تخرج من مبنى الشركة ولا تليفون يترفع من على مكاتب الدور ده لحد ما أخلص شغلي فوق.
من العين دي قبل العين دي يا بنت الأصول، الأوامر اتنفذت خلاص والمبنى كله مقفول من تحت.
ركبنا الأسانسير الخاص اللي بيطلع دايركت للدور التلاتين، دور مجلس الإدارة والقاعات المقفولة. الأسانسير كان طالع بهدوء ناعم، وكل ما كان بيعدي دور، كنت بحس بضربات قلبي بتهدى وبتتحول لبرود تلج مخيف. خلاص.. زمن الصدمة والوجع والدموع خلص في جناح الأوتيل، دلوقتي وقت الحساب، والحساب مع مريم المنشاوي بيكون كاش ومفيهوش فصال ولا تقسيط.
الباب اتفتح برنة هادية.
الصالة الكبيرة قدام قاعة الاجتماعات كانت هادية، الموظفين الصغيرين أول ما شافوني تنحوا والورق وقع من إيد السكرتارية على الأرض، الهمهمات اشتغلت مدام مريم هنا؟ إزاي دي؟ مش قالوا مريضة وممنوعة من الظهور؟.. مشيت بخطوات واثقة، كعبي كان بيخبط في الرخام بصوت منتظم زي دقات ساعة الإعدام.
وصلت قدام باب قاعة الاجتماعات الرئيسية؛ باب خشب أرو تقيل عليه لوحة نحاس مكتوب عليها قاعة الحاج عبد الحميد المنشاوي. وقفت ثانية، شيلت النضارة السودا وحطيتها في شنطتي، وبصيت لاتنين من الحرس اللي ورايا وشاورتلهم براسي افتحوا.
الحرس زقوا الدلفتين الكبار بضخامة وبقوة عملت صوت ارتطام هز القاعة كلها.
المشهد جوة كان لوحة مرسومة بالخسة والغرور..
تربيزة الاجتماعات البيضاوية الضخمة كان قاعد عليها كبار المساهمين ومديرين القطاعات، وفي صدر القاعة، على الكرسي الجلد الفخم بتاع والدي، كان قاعد شريف الدمنهوري. كان لابس بدلة كحلي غالية أوي، من الماركات اللي عمري ما شفته يحلم يلمسها زمان، حاطط رجل على رجل ومبتسم ابتسامة المنتصر، وجنبه مباشرة كانت واقفة چيهان، لابسة فستان أحمر فاقع لا يليق بشركة ولا باجتماع محترم، وماسكة في إيدها ليزر بريزنتيشن وعمالة تشاور على الشاشة الكبيرة وهي بتقول بمياصة وبكده، بناءً على تفويض الإدارة وحوكمة الميزانية، هننقل الأصول التشغيلية للكيان الجديد اللي هيتولى إدارته…
صوتها اتقطع في زورها.
الكلام وقف في حلقها وعينيها برقت زي اللي شافت عفريت طلع من قلب الأرض.
القاعة كلها اتلفتت ناحية الباب في فزع. وشوش أعضاء المجلس اتغيرت، والناس اللي كانت عارفة تاريخ العيلة اتعدلوا فوراً في قعدتهم وكأن تيار كهربا مسك في ضهرهم.
شريف وشه اتخطف، والدم هرب من ملامحه في لحظة، الكوباية اللي كانت في إيده اتهزت ونقطة ماية وقعت على بدلته النضيفة. وقف على حيله بارتباك وهو بيسند على التربيزة، صوته طلع مخنوق ومكسور م.. مريم؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ إزاي خرجتي وجيتي بالشكل ده؟
ابتسمت ابتسامة هادية وباردة جداً، ودخلت بخطوات متمهلة، وعادل المحامي برجالته دخلوا ورايا وقفوا زي السد المنيع ورا ضهري. سحبت كرسي من على جنب، قعدت وحطيت رجل على رجل، وبصيت لشريف من فوق لتحت بقرف بتفاجئ يا شريف؟ ولا كنت فاكر إني لسه مرمية على أرضية سوق العبور متكلبشة ومستنية إذن سيادتك عشان أشتري غدا ابني؟
چيهان حاولت تلم الدور وتسترجع قناع الجبروت، عدلت شعرها وقالت بصوت بتفتعل فيه القوة والتبجح مدام مريم، إنتي بتقتحمي اجتماع رسمي لمجلس الإدارة