اهانة علني ٢ – حكايات منى السيد

وقال بصوت حاسم ورسمي أستاذ شريف الدمنهوري، آنسة چيهان عبد الحميد.. صادر ضدكم أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم الاستيلاء على أموال عامة وخاصة، التزوير في محررات رسمية، والتحريض على الرشوة، وتكوين تشكيل عصابي لغسيل الأموال. اتفضلوا معانا من غير شوشرة.
چيهان أول ما شافت الكلبشات انهارت، قعدت تصوت وتلطم على وشها زي النسوان في الحارة أنا ماليش دعوة يا باشا! هو اللي ضحك عليا وقالي هنتجوز ونسافر برة ونعيش في باريس! هو اللي ورطني، والله العظيم هو اللي خد كل حاجة!
الأمين مسكها من دراعها وكلبش إيدها ورا ضهرها بقوة وهي بتصرخ وتتف على شريف. أما شريف، فكان ماشي زي الخروف المدبوح، رجليه كانت بتجر في الأرض ومش قادر يرفع عينه في أي بني آدم من اللي كانوا واقفين. وقبل ما يخرج من باب القاعة، وقّفته بكلمة واحدة شريف.
وقف مكانه وبصلي بآخر أمل إنه يلاقي في عيني نظرة رجوع.
قلتله بهدوء تام وبابتسامة شفت فيها روحي بترجعلي الورقة بتاعة طلاقي هتجيلك على السجن مع إعلان الحجر على كل حساباتك وسحب جنسيتك من كل الميزات اللي خدتها من عيلتي. ومن هنا ورايح.. مش هتلاقي حتى مليم تشتري بيه شوية العدس والبيض المسلوق اللي چيهان كانت بتقولي أطبخهم. البس بقى يا دكتور، السجن للجدعان وإنت لا كنت جدع ولا تعرف يعني إيه رجولة.
الظابط زقه وخرج بيهم وسط نظرات الاحتقار من الموظفين اللي كانوا متجمعين في الطرقة برة بيتفرجوا على نهايتهم السودة. الفضايح كانت بجلاجل، والموبايلات كانت بتصور اللحظة اللي رئيس الشركة المزيف بيخرج فيها مكلبش ومطاطي راسه في الأرض.
رجعت قعدت على كرسي والدي في صدر القاعة. اتنفست نفس طويل، حسيت كأن جبل كان كابس على صدري وانزاح. بصيت لأعضاء المجلس اللي كانوا مستنيين أي كلمة مني برهبة واحترام يا سادة.. المسرحية الهزلية خلصت. من اللحظة دي، أنا اللي بتولى منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمجموعة المنشاوي. كل القرارات اللي اتخذت في الشهرين اللي فاتوا ملغية وكأنها لم تكن. مرتبات الموظفين اللي اتخصم منها هترجع الضعف، وكل عقد اتوقع مشبوه هيتحول للشؤون القانونية فوراً. عندنا شغل كتير متأخر، والشركة دي هترجع زي ما الحاج عبد الحميد سابها وأحسن.. يلا كل واحد على شغله.
الكل قاموا وقفوا وسقفوا، وخرجوا من القاعة بنشاط واحترام عمرهم ما أظهروه لشريف في عزه.
نزلت من المبنى، وركبت عربيتي وطلعت على فيلا الزمالك. أول ما دخلت، لقيت ياسين بيجري عليا وفاتح دراعاته مامي! وحشتيني أوي!
شيلته وحضنته بكل قوتي، دفنت وشي في رقبته وشميت ريحته اللي ردت فيا الروح. بكيت لأول مرة من يومين، بس مكانتش دموع قهرة.. دي كانت دموع نصر وتطهير.
عدت الأيام والشهور بسرعة، والتحقيقات خدت مجراها الطبيعي في المحاكم. شريف وچيهان اتحكم عليهم بأحكام مشددة؛ سبع سنين سجن مشدد لشريف مع رد كل المبالغ والغرامات اللي بلعت كل مليم كان حيلته هو وعيلته، وخمس سنين لچيهان مع الشغل والنفاذ. شريف رجع لنقطة الصفر، لا.. رجع لتحت الصفر، مكسور ومفضوح ومجرد من كل صفة وكل مال، في زنزانة ضيقة مفيهاش غير حيطان باردة تذكره كل ليلة بالنعمة اللي رفسها برجليه.
وأنا؟ أنا رجعت لبيتي في التجمع، بيتي اللي اتطهر من دنسهم. فتحت شبابيكه للشمس والهوا النضيف، وغيرت كل ركن كان بيفكرني بيهم. مجموعة المنشاوي كبرت وبقت أضعاف ما كانت، وياسين كبر وبقى راجل بيتعلم يعني إيه أصل ويعني إيه شبع، لأن اللي عينه جعانة، لو ملك خزائن الأرض كلها، هيفضل برضه جعان وهيموت في قاع الفقر والندامة.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *