تكريم مزدوج – محمد نور
— “بالتأكيد يا رقيب.”
تراجع فيصل خطوة إلى الخلف. كانت حركة صغيرة، لكنها معبرة. قبل سنوات، كنت سأدع أخي يتحدث نيابة عني لأن الجدال كان يبدو كأنه إرهاق لا داعي له مقارنة بالصمت. أما في ذلك المساء… فلا.
لاحقاً، وجدت والدي واقفاً بمفرده قرب إحدى النوافذ، فأومأ لي بالاقتراب.
اقتربت منه، فظل ينظر إلى النهر لبضع ثوانٍ ثم قال:
— “لقد ظلمتكِ يا مريم.”
لم أرد.
تنهد عميقاً وقال:
— “عندما بدأ فيصل يترقى في شركته، أظن أنني اعتادت على قياس الأمور بطريقة معينة: مناصب، مداخيل، علاقات… أشياء يمكنني التباهي بها بسهولة.”
— “وأنا لم أكن أتناسب مع هذا القياس.”
— “نعم.”
خرجت الكلمة من فمه بصوت خفيض:
— “أنتِ لم تكوني تتناسبين معه.”
— “ولذلك قررتَ أن قيمتي أقل.”
— “لم أكن أظن…”
— “بل كنت تظن ذلك تماماً.”
التفت إليّ وقال:
— “ربما ليس بهذه الكلمات الصريحة.”
— “الكلمات تتغير، لكن المعاملة تظل واحدة.”
سكت والدي. ولأول مرة، لم يحاول تبرير موقفه بالخوف عليّ، أو بفارق الأجيال، أو بتلك العبارة التي كررها كثيراً: “أنا لا أريد سوى الأفضل لكِ.”
— “أنا أشتعر بالفخر بكِ اليوم,” قال والدي.
— “هذا أمر جيد.”
— “لكنني أعلم أن هذا لا يكفي.”
نظرت في عينيه وقلت:
— “كنت بحاجة إلى احترامك وتقديرك حتى عندما لم يكن هناك قائد عسكري ينطق باسمي أمام الملأ.”
أطرق رأسه وقال:
— “أعلم ذلك.”
لم أغفر له في تلك اللحظة؛ فالقصة ليست فيلماً سينمائياً، والسنوات الطويلة لا تتلاشى لمجرد أن أحدهم قال الجملة المناسبة في قاعة فاخرة. لكنها كانت المرة الأولى التي يتقبل فيها والدي ثقل ما فعله دون أن يحاول إعطاء جزء من اللوم لي. وكان ذلك أمراً مهماً.
اقتربت أمي بعد ذلك، وهذه المرة دون دموع:
— “أريد أن أعتذر منكِ,” قالت. “ليس عن اليوم فقط، بل عن كل المرات التي غضضت فيها الطرف وتظاهرت بعدم رؤية ما يحدث.”
— “ولماذا كنتِ تفعلين ذلك؟”
تأخرت في الإجابة ثم قالت:
— “لأن المواجهة مع والدكِ كانت أصعب من الصمت.”
أومأت برأسي:
— “بالنسبة لكِ.”
أغلقت عينيه لثانية وقالت:
— “نعم… بالنسبة لي.”
تلك الإجابة آلمتني، لكنها كانت صادقة على الأقل.
لم نعد بصلح كامل أو ترميم فوري لكل شيء، فلم يكن هناك داعٍ للادعاء.
تطوعت أختي بمرافقة جدي إلى السيارة، بينما بقى فيصل للمساعدة في نقل بعض الهدايا والملفات.