تكريم مزدوج – محمد نور
كنت أستمع وأنا أقف بثبات ويداي إلى جانبي. كانت الكلمات تبدو غريبة لأنها توصف قرارات لم تكن تبدو في لحظتها “بطولية”، بل كانت تبدو “ضرورية” فحسب.
صوت عبر أجهزة اللاسلكي…
خريطة مطوية…
باب لم يكن ينبغي أن يغلق بعد…
قائمة غير مكتملة بأسماء الأشخاص…
وصوت أحدهم يقول إن الوقت قد انتهى…
وكان ردي حينها: “ليس بعد.”
واصل الفريق أول حديثه:
— “لم تُرشَّح الرقيب أول مريم لهذا الوسام بناءً على موقف واحد، بل لعدة قرارات متواصلة وشجاعة اتخذتها تحت الضغط العالي، ولقيادتها الفذة، ورفضها التخلي عن خيار آمن طالما كانت هناك فرصة حقيقية لإخراج المزيد من الأرواح.”
سمعت حركة في الصف الأول. كان جدي قد انحنى إلى الأمام.
لقد كان هو الوحيد الذي يفهم اللغة الخفية الكامنة وراء هذه العبارات. لا التفاصيل، بل “الثقل”.
في عائلتنا، لم نكن نتحدث كثيراً عما عاشه جدي في الحرب. كان يروي قصصاً صغيرة بسيطة: عن رفيق يسوي قهوة شديدة المرارة، أو عن شتاء قاسٍ لم يكن ينتهي، أو عن رسالة من جدتي احتفظ بها لشهور داخل كيس بلاستيكي. لم يكن يتباهى بأوسمته أبداً.
ولعل هذا هو السبب الذي جعله الشخص الوحيد الذي لم يسألني يوماً متى سأبحث عن “عمل حقيقي”.
فتح الفريق أول ملفاً أزرق ثانياً، يطابق تماماً الملف الذي استلمته في الصباح، وقرأ نص التكريم.
كانت الكلمات الرسمية دقيقة ومحددة: قيادة استثنائية، تنسيق مشترك، حماية الأرواح، وتأدية الواجب في ظروف استثنائية.
ثم قال شيئاً جعل جو القاعة يتغير بالكامل:
— “ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن هذا الترشيح لم ينبع من التسلسل القيادي المباشر للرقيب مريم، بل جاء بدعم وتزكية من ضباط وأفراد من عدة وحدات مختلفة عملوا معها خلال تلك العملية.”
لم تكن القصة من نسج خيالي، ولم تكن حكاية عائلية مُجمّلة، ولم تكن رواية مبالغاً فيها… بل كانت شهادات مدونة من أناس آخرين ينقلون ما رأوه بأم أعينهم.
أخذ الفريق أول الوسام. وقبل أن يعلقه على صدري، نظرت نحو جدي.
كان واقفاً على قدميه. رغم صعوبة الوقوف عليه لفترات طويلة، إلا أنه وقف بمفرده دون مساعدة من أحد.
بدأ بالتصفيق… تصفيقاً بطيئاً بضربتين من يديه.
وفجأة، وقف جميع من في القاعة.
وصلني صوت التصفيق كالموجة العاتية. لم أبكِ، على الأقل ليس في تلك اللحظة. ركزت على تنفسي والحفاظ على هيئتي العسكرية المتماسكة بينما أتم الفريق أول المراسم.