تكريم مزدوج – محمد نور

وقبل أن أخرج، جاء فيصل للبحث عني مجدداً:

— “مريم.”

— “نعم؟”

نظر حوله ثم نظر إليّ وقال:

— “لقد كنت أحمق طوال الوقت.”

كدت أبتسم:

— “كان هذا صريحاً على نحو مفاجئ.”

— “لا أعلم ما الذي تريدين مني قوله.”

— “لا أريد خطابات.”

— “إذاً، ماذا تريدين؟”

فكرت في الأمر ملياً وقلت:

— “أريد منك في المرة القادمة ألا تكون بحاجة لرؤية وسام استثنائي لتتذكر أنني أختك.”

أومأ فيصل برأسه وقال:

— “هذا حقك.”

— “لا، هذا هو البديهي والأساسي.”

ولأول مرة، لم يجد فيصل ما يرد به.

كان جدي ينتظرنا قرب المخرج، وعندما رآني، ضرب بكفه ببطء على المقعد الخالي بجانبه.

جلست بجواره وكان يضع درع التكريم على ركبتيه، بينما ما زلت أحتفظ بملفي الأزرق.

— “ملف جميل,” قال جدي.

نظرت إليه وضحكت:

— “رآه فيصل عندما وصلت ولم يكلف نفسه عناء السؤال عما بداخل.”

— “أفضل.”

— “أفضل؟”

— “نعم، حتى يحصل على درس تعليمي مفاجئ.”

طلقت ضحكة أعلى مما كنت أرتجي.

ابتسم جدي، ثم مرر إبهامه على حافة شعار وحدته العسكرية وقال:

— “عندما عدتُ من الحروب القديمة، كان الكثيرون يريدون مني رواية قصص بطولية خارقة. لكن معظم ذكرياتي لم تكن تبدو بطولية… بل كانت تبدو كمحاولات أناس يفعلون ما بوسعهم ليعيش رفيقهم حتى اليوم التالي.”

استمعت إليه بإنصات.

— “وهذا بالضبط ما شعرتُ به أنا أيضاً.”

— “أعلم ذلك.”

وكان هذا هو كل التفسير الذي نحتاجه.

وقبل مغادرتنا، التقطوا صورة عائلية أخيرة: والدي إلى جانب جدي، وأمي على الجانب الآخر، وفيصل ونورة في الخلف، وأختي بجانبي.

فكرت في أنه ربما بعد سنوات طويلة، سينظر أحدهم إلى تلك الصورة ولن يرَى سوى عائلة فخورة في يوم مجيد. فالصور الفوتوغرافية تفعل ذلك دائماً؛ تسطح القصص والتاريخ، ولا تظهر ما قيل في الممرات المظلمة، ولا تسجل صمت الأم، ولا تلتقط النظرات التي تحاول تقييم قيمتك ومكانتك… كما أنها لا تظهر اللحظة الدقيقة التي يقرر فيها المرء عدم قبول ذلك التقييم مجدداً.

بالنسبة لي، حدثت تلك اللحظة عندما عدت إلى القاعة؛ قبل صعود القائد العسكري، وقبل تصفيق الحضور، وقبل تقليد الوسام.

كان بإمكاني المغادرة، أو تغيير ملابسي، أو إخفاء الأوسمة لتفادي المواجهة وإبقاء عائلتي في منطقة راحتهم… لكنني لم أفعل.

بعد أسابيع، اتصل بي والدي لمجرد الاطمئنان عليّ وسؤالي عن أحوالي. لم يتحدث عن فيصل، ولا عن رتبتي، ولم يسألني متى أنوي ترك الجيش. كانت مكالمة قصيرة، صعبة نوعاً ما، لكنها كانت ذات أهمية غريبة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *