سلفتي كل ما ندخل نطبخ سوا تفضل كل شويه تطلع حتة لحمه كبيره وتقول هدوقها وحماتي تيجي تقول اللحمه بتقل ليه انتو بتاكلوها على النار، كنت اسكت عشان معملش مشكله، لحد ما سمعتها بتقول لحماتي اني باخد طبق واطلعه شقتي !!! أنا خديجة، متجوزة في بيت عيلة. العيشة في بيت العيلة ليها أصولها وقواعدها، وأهم قاعدة عندنا إن أكلنا كله سوا تحت مع حماتي. حماتي ست شديدة وصعبة حبتين، من النوع اللي يعد حبات الرز في الحلة، وتقفل بطرمان السمنة والمربى قفله تجيب أجل العصب، وتفضل تزعق: «ما تهدروش في الحتة! أنتم مبذرين ومش حاسين بالنعم!» في الأول كنت بضايق وبحس إنها بتدقق في اللاشيء، بس مع الوقت عذرتها وقلت عندها حق. الحقيقة إن دخل البيت على القد جدا، ولو ما حرصتش وما مسكتش الإيد جامد، المصاريف مش هتكمل لنص الشهر. كان يوم الخميس كنا نعمل غدا للبيت وللرجاله الشقيانين ....كان جوزي او جوز سلفتي بيروحوا للجزار ويقطعوا اتنين كيلو لحمة للبيت كله؛ ليهم هما وانا وسلفتي ولعيالنا ولحماتي. وده كان آخر مقدرتهم والحمد لله على كل حال. المشكلة بقى كانت في انتصار... سلفتي! أول ما حلة اللحمة تبدأ تغلي على النار وتطلع ريحتها، تبدأ انتصار في عادتها الغريبة اللي تجيب الجلطة. كل تلت دقايق تمسك الملعقة، تطلع حتة لحمة محترمة في طبق، وتقول : «أما أدوقها كده أشوفها استوت ولا لسه شديدة؟» تلت دقايق وتطلع حتة تاني: «طب أدوق دي يمكن دي استوت عن اللي قبلها!» وتفضل على الحال ده طول ما الأكل على النار، لحد ما الشوربة تصفصف واللحمة تقل في الحلة بشكل ملحوظ جداً! ونيجي ساعة الغدا، نحط لحماتي طبق اللحم عشان تقسم اللحمة وتدي كل واحد منابه، تقول باستغراب وغضب: «بسم الله الرحمن الرحيم! هي اللحمة خست كده ليه؟! أنتم بتاكلوها على النار ولا إيه يا هوانم؟!» وتفضل تحرجنا قدام أزواجنا واولادنا. أنا كنت بسكت وما بفتحش بوقي بكلمة. أقول في بالي: لو اتكلمت هحرج انتصار قدام جوزها وعيالها، وحماتي هتمسك فيها وتعمل مشكلة كبيرة، والبيت هيتقلب نكد. فكنت أعمل نفسي مش شايفاها وأكل بسكات اما انتصار كانت تضحك ضحكة مستفزة وتقول لحماتي بهزار «يمكن فيه جن بيسرق اللحمة يا حماتي! البيت ده مخاوي ولا إيه؟!» لحد الطبخة اللي بعدها... لقيت انتصار شغاله أكل على النار كالعادة، حست إن الصبر خلاص نفد. اتعصبت وزعقت معاها بصوت واطي بس حاسم: «ما تاكليش تاني يا انتصار! الحاجة على القد وبتبان في الصينية، ولو أكلتي حتة كمان أنا هطلع أقول لحماتك فوراً!» أنا بصراحة ما كانش قصدي أقول لحماتي ولا حاجة، كنت بس بحاول أخوفها عشان تتلم وتبطل الحركة دي. بس هي عملت إيه؟ ضحكت ببرود واستفزاز، وحطت حتة لحمة كمان في بوقها ولا كأني اتكلمت! طنشتها وسكت زي كل مرة وقلت ربنا يهديها. لكن المكر ماوقفش هنا... في يوم، نازلة من شقتي على سلم بيت العيلة، وسمعت صوت انتصار وحماتي بيتكلموا في الصالة تحت. ما أخدوش بالهم إني واقفة على السلم. وقفت مكاني من الصدمة لما سمعت انتصار بتقول لحماتي بنبرة ثقة وخباثة: «زي ما بقولك كده يا حماتي.. خديجة كل طبخة تاخد منابين تلاتة لحمة تحطهم في طبق، وتديهم لبنتها تطلعهم شقتها فوق، وتقول للبنت: إوعي تقولي قدام جدتك!» حماتي قالت بصدمة وذهول: «طب بتعمل كده ليه؟! هو إحنا حارمينها مهي بتاخد منابها هيه وعيالها؟!» انتصار ضحكت وقالت: «بتقول إنها بتجوع بالليل يا حماتي... الله أعلم بقى بالنيات!» في اللحظة دي، حماتي لفت وشها وغضب الدنيا كله في عيونها، ولقيتني واقفة على السلم. زعقت فيا بحِدة : «سمعتي اللي سلفتك بتقوله يا خديجة؟!» بصيت لانتصار... لقيتها واقفة بمنتهى الثبات، ومش خايفة خالص، بالعكس، كانت بتبتسملي بمكر ونصر. هي عارفة إنها سبقت وغزلت غزلها، وإني لو اتكلمت أو دافعت عن نفسي وقلت "دي هي اللي بتاكل"، حماتي هتقول عليا بتبلى عليها عشان أكدبها بعد ما اتكشفت. كنت واقفه ببصلهم بصدمه وفي ثانية واحدة، خطرت في بالي فكرة رهيبة.. فكرة هتقلب الطاولة فوق دماغ انتصار وتخليها تتمنى الأرض تتشق وتبلعها. ما جادلتش ولا كدبتها ، ولا قلت "هي اللي أكلت يا حماتي". ابتسمت بهدوء شديد، ونزلت آخر درجتين على السلم، وقربت منهم بثبات... واللي قلته وقتها خلى وش انتصار يصفرّ بخضة ورعب من الرد اللي معملتش حسابه أبداً!!! نزلت من على السلم بخطوات ثقيلة وحاسمة، وعيني في عين انتصار اللي كانت النظرة الماكرة في عيونها بدأت تتهز أول ما شافتني هادية ومش متوترة ولا بعيط زي ما كانت متوقعة. بصيت لحماتي اللي كانت عروق وشها طالعة من الغضب ومستنية مني دفاع أو كدب، وقلت بصوت واطي ومترتب: «أنا فعلاً باخد اللحمة يا حماتي.. عشان كده بتقل، شوفي كده بنفسك باخد قد إيه من المطبخ!» حماتي اتسعت عيونها بصدمة وقالت وهي بتخبط على صدرها: «يا مري! بتعترفي كمان يا خديجة؟! بتسرقي أكل البيت وتطلعيه شقتك؟!» في اللحظة دي، انتصار ابتسمت ابتسامة نصر واسعة ورا ضهر حماتي، وكانت فاكرة إني استسلمت وركبتني التهمة خلاص. لكن أنا أخدت نفس عميق، وطلعت تلفوني من جيبي بثبات شديد، ودست على الفيديو اللي كنت مصوراه من أسبوع كامل ومستنية اليوم اللي أحتاجه فيه. قربت التلفون من عين حماتي وقلت: «اتفرجي يا حماتي بنفسك على اللي بياخد اللحمة كل طبخة.. اتفرجي على الصدق والنظافة.» اشتغل الفيديو على الشاشة.. ظهرت انتصار واقفة جنب الحلة، ماسكة الكبشة، بتطلع حتة لحمة كبيرة محترمة، وتحطها في بقها وتبلعها بتلذذ، وبعدها بتلات دقائق بالضبط في نفس الفيديو، تطلع حتة تانية وتدوقها وتقول بصوت واضح في التسجيل: «أما أشوف دي استوت ولا لسه شديدة؟!».. والتسجيل شغال وهي بتاكل حتة ورا حتة بكل بساطة وبرود، والحلة وراها بتنقص قدام العين! حماتي برقت في الفيديو، عينها كانت هتطلع من مكانها، ودماغها بتستوعب الموقف بالبطيء، والذهول شل لسانها لثواني. كانت تبص للشاشة وتبص لانتصار، ومش مصدقة إن الست اللي كانت لسه بتشهد ربنا على طهارتها هي نفسها اللي طالعة في الفيديو نازلة أكل في الحلة كأنها في مجاعة. انتصار لما سمعت صوت التسجيل وصوتها هي طالع من التلفون، وشها اصفرّ وبقى لون الورق الميت، برودها اتخرق في ثانية، وعيونها اتملت برعب مش طبيعي. اتجننت وهجمت عليا فجأة لمحة نيوز انتصار لما سمعت صوت التسجيل وصوتها هي طالع من التلفون، وشها اصفرّ وبقى لون الورق الميت، برودها اتخرق في ثانية، وعيونها اتملت برعب مش طبيعي. اتجننت وهجمت عليا فجأة وهي بتصرخ بصوت هيستيري وتمد إيدها عايزة تخطف التلفون من إيدي: «أنتِ بتصوريني يا خديجة؟! بتتسحبي وتصوريني في بيتي يا مجرمة؟! هاتي الزفت ده من إيدك!» وقفت قصادها بكل قوة، زقيت إيدها ورجعت خطوة للورا، وقلت بصوت طالع من قعر قلبي مليان قهرة وعتاب: «حاولت أستر عليكِ كتير يا انتصار! كنت بشوفك بتاكلي وأسكت وأقول معلش عشان ما أخربش بيتك ولا أحرجك قدام جوزك وعيالك.. بس من جبروتك وسواد قلبك، جاية تتبلي عليا وتلبسيني أنا السرقة؟! جاية تتهميني في أمانتي ونظافتي قدام حماتي عشان تداري على طمعك؟!» في اللحظة دي، حماتي فاقت من صدمتها، ومسكت انتصار من دراعها بزقة قوية رجعتها لورا وهي بتصرخ فيها بصوت زلزل صالة البيت كله: «يا مأفونة! يا خسيسة! بتأكلي اللحمة على النار وتيجي ترمي بلاكي على الغلبانة دي؟! دا أنتِ طلعتي سوسة بتاكلي في البيت من تحت لتحت!» انتصار بدأت ترتجف وتأتأ بالكلام، وتحاول ترقع الموقف وهي بلعاب ناشف: «يا حماتي.. والله.. والله كنت بدوق بس أشوفها استوت ولا لسه.. هي خديجة اللي قصدها تفبرك وتوقع بينا!» حماتي ضربت كف بكف وزعقت فيها بمرارة: «تدوقي حلتين لحمة يا مفترية؟! ده أنتِ ناقص تأكلي المواشي وهي صاحية! بقالك قد إيه بتعملي الحركة دي وبتضحكي عليا وتقوليلي يمكن فيه جن بيسرق اللحمة؟! طلع الجن هو أنتِ يا انتصار! كنتِ بتمثلي عليا الدور وتخليني أشك في البت المسكينة دي وأنا أقول اللحمة بتروح فين!» الصوت كان عالي جداً، لدرجة إن جوزي وجوزها نزلوا جري على السلم من فوق فاكرين فيه حريقة أو مصيبة في البيت. أول ما دخلوا الصالة، شافوا انتصار واقفة تعيط بنكد ومكسورة، وحماتي ماسكة التلفون بتاعي وبترتعش من الغيظ. جوز انتصار قرب بخضة وقال: «فيه إيه يا أمي؟! مالك بتزعقي ليه كده؟ وانتصار بتعيط ليه؟» حماتي رمت التلفون في وشه وقالت بحدة: «اتفرج على الهانم مرتك! اتفرج على اللي نازلة أكل في حلة اللحمة كل خميس، وتيجي تتهم سيلفتها بالباطل وتقول خديجة بتسرق الأكل وتطلعه لشقتها! اتفرج على الستر اللي كانت عايشة فيه وجبروتها اللي فضحها!» جوزها مسك التلفون وشاف الفيديو.. وش جوزها اتغير مية وثمانين درجة، بقى أحمر من الكسفة والعار. بص لمراته بنظرة كفيلة تقتلها، وقال بصوت حاد ومخلوط بالخزي: «أنتِ بتعملي كده يا انتصار؟! تفضحينا عشان حتة لحمة؟ وتتبلي على حرمة أخويا الشريفة اللي شايلانا وشايلا بيتنا؟! بقى أنا شغال طول الأسبوع وطفحان الكوتة عشان أجيب القرشين، وأنتِ نازلة بلع في المطبخ وتفضحينا قدام أمي وأخويا؟!» انتصار ما لقيتش كلمة واحدة تقولها، وقفت تعيط وتندب بحسرة بعد ما كل حيلها اتكشفت قدام الكل، وبقت تبص للفيشة والحيط ومش قادرة تحط عينها في عين حد. جوزها أخدها من إيدها بغضب وشدها على السلم وهي بتتسحب وراه زي الفراخ المبلولة، وطلعها شقتها فوق وهو بيزعق ويأنب فيها على الفضيحة والكسفة اللي حطته فيها قدام أهله، وصوت خناقهم كان مسموع في البيت كله. جوزي قرب مني، مسك إيدي وطبطب عليا بحنية وقال: «حقك عليا يا خديجة.. أنتِ أصلك طيب ونظيف طول عمرك، وما كانش المفروض تسكتي كل ده ولا تسمحي لحد يمس كرامتك. لو كنتِ قلتيلي من الأول ما كنتش سبتها تتمادى كدة.» رديت عليه بابتسامة هادية: «أنا كنت شارية البيت يا أبو عيالي، وما كنتش عايزة أعمل مشكلة على أكل وشرب.. بس لما اللقمة بقت تمس شرفي وأمانتي، كان لازم أوقف كل واحد عند حده.» حماتي بصتلي، ولأول مرة أشوف في عيونها نظرة أسف وحنيّة حقيقية. قربت مني ومسكت وشي بإيديها الجافة وقالت بصوت مكسور: «سامحيني يا خديجة يا بنتي.. أنا اتقسيت عليكِ وظننت فيكِ ظن سوء بسبت كلام العقربة دي. أنتِ طلعتي بنت أصول وصاينة البيت، وهي اللي كانت بتاكل في أكلنا وخيرنا وتتبلى عليكِ. العيب مش عليكِ، العيب عليّ أنا اللي صدقت الوش الناعم وعميت عن الحقيقة.» قلت لها وأنا ببوث إيدها: «حصل خير يا حماتي، أنتِ زي أمي وما أزعلش منك أبداً، المهم إن الحق ظهر والبيت يفضل هادي ونظيف.» من اليوم ده، البيت اتغير تماماً وغزل انتصار كله اتقطع. حماتي خدت قرار صارم وقالت بصوت جازم أسمعت بيه الكل: «من هنا ورايح، ما فيش طبخة هتتعمل في البيت ده إلا وأنا قاعدة رشق في المطبخ من أول ما الحلة تحط على النار لحد ما نغرف! اللي هتمس ملعقة ولا تمد إيدها تدوق، هقطع إيدها! والمطبخ ده له نظام وإتيكيت، وما حدش يدخله إلا بكلمتي!» وبالفعل، بقت حماتي كل يوم خميس تجيب كرسيها الخشب الصغير، وتقعد بيه في باب المطبخ، نظارتها على مناخيرها، ومركزة في الحلة وفي كل حركة بنعملها. ماسكة دفتر صغير وتسجل فيه كل حاجة بالمللي! انتصار بقت تدخل المطبخ وشها في الأرض، ما تقدرش حتى ترفع عينها فيا ولا تقرب من الحلة سنتيمتر واحد. بقت تقف زي التلميذة الخايبة جنب الحيط، لما حماتي تقولها شيلي الطبق ده تشيله وهي ساكتة ومكسورة. حركاتها المستفزة وضحكاتها الماكرة اختفت تماماً، وبقت تمشي جنب الحيط من كتر الكسفة والعار اللي ركبها قدام جوزها وحماها والبيت كله. أما أنا، فبقيت أطبخ وانا مرتاحة البال، مناب كل واحد بقى ينزل في طبقه كامل ومظبوط زي ما ربنا قال. والأهم من اللحمة والأكل، إني كسبت احترامي وكرامتي قدام الكل، وحماتي بقت تعاملني كبنتها المقربة وتأكتمني على كل صغيرة وكبيرة في البيت. عرفت وقتها إن الصبر جميل، بس الأجمل منه إنك تعرف أمتى تتكلم وأمتى تطلع الحجة اللي في إيدك. الحق لما يظهر بهدوء وحكمة، بيكسر العين الزفرة، ويخلي صاحب الحق مرفوع الراس دايماً، والنية الصافية هي اللي بتكسب في الآخر.