كنت رايحه المركز الطبي – منى السيد

من أول مرة وبتتصرفي بوعي ما كانش حد فتح بقه معاكي، لكن إنتي اللي بتجيبي الكلام لنفسك.
خرج وسابني، وخلصت الأكل وحطيته على السفرة. قعدت حماتي وقعد وائل، وكنت لسه هرجع أوضتي عشان ماليش نفس أحط لقمة في بطني، حماتي قالت
اقعدي كلي، مش عايزين حد يقول حارمينك من الأكل في بيت جوزك، ولا هتروحي تقولي لأمك برضه إننا ما بناكلكيش؟
قعدت على طرف الكرسي، أكلت معلقتين بس عشان مابقاش بعمل مشكلة تانية، وكل لقمة كانت بتنزل زي المرار في حلقي. وفجأة حماتي داقت الشوربة وحطت المعلقة على الطبق بصوت رن في الصالة كلها.
بصيت لها وقلبي انقبض.
قالت وائل وهي بتوجه كلامها لابنها مش ليا
شايف يا بني؟ دي اللحمة اللي المدام كانت جايباها وفرحانة بيها؟ اللحمة شادة وزي الكاوتش، والشوربة سمنتها تقيلة وعايمة على الوش، دي لحمة عِجوزة وما تنفعش تتسلق أصلًا، دي تنفرم وتتعمل كفتة! ضحك عليكي الجزار للمرة التانية ورما عليكي بضاعته البايتة، وإنتي طبعًا فرحانة وجاية تفرضي رأيك علينا!
وائل بص في طبقه، وبصلي، وحسيت إن الخناقة هتبدأ من أول وجديد، بس المرة دي أنا اللي سكت خالص، بصيت لحماتي وابتسمت ابتسامة ۏجع، وقلت
بالهنا والشفا يا ماما… مطرح ما يسري يمري.
قمت من على السفرة ودخلت أوضتي، وسمعت صوتها برة بتقول لوائل
شايف قلة ذوقها؟! بتسيب الأكل وتقوم تستهزأ بيا قدامك وإنت قاعد زي خيال المآتة مش عارف تحكم بيتك!
قعدت على السرير وضميت ركبي لصدري، وأنا بفكر في حياتي اللي بقت كلها مشاكل على أتفه الأسباب، وحسيت إن الموضوع مش مجرد كيلو لحمة ولا مشوار جزار… الموضوع كان كسر إرادة، وحرب نفسية بتتعمل عليا عشان أفضل دايمًا مکسورة الجناح وماليش رأي في البيت ده.
طلعت كراستي الصغيرة اللي بخبيها في قاع الدولاب، وكتبت فيها كلمتين كنت حاسة إنهم بداية لنهاية الصمت اللي عشته اللي يقبل يتهان في اللقمة والمشوار، هيتهان بكرة في كرامته وعياله، والسكوت عمره ما كان ستر، السكوت أوقات بيكون أكبر غلطة.
الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، البيت كله كان نايم والهدوء رجع تاني يعم المكان. قمت على طراطيف صوابعي، جهزت شنطة صغيرة فيها هدوم بنتي وشهادة ميلادها وأوراقي المهمة وحطيتها ورا الدولاب. مكنتش عارفة بكرة مخبيلي إيه، بس كنت متأكدة من حاجة واحدة بس اللي حصل النهاردة ده مش هيعدي بالساهل، واليوم اللي رفع فيه وائل إيده عليا كان النقطة اللي انتهت عندها مرحلة وبدأت مرحلة تانية خالص حصري علي صفحة روايات و اقتباسات.. وفجأة وأنا واقفة في الضلمة، سمعت صوت حركة غريبة جاية من الصالة برة، وصوت همس مكتوم… اتسحبت وبصيت من خرم الباب، وشفت حماتي واقفة مع حد في الصالة والأنوار مطفية، واللي شفته خلاني اتجمد في مكاني وأنسى كل
الۏجع اللي عشته طول اليوم من الصدمة الجديدة اللي مستنياني.
يتبع

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *