اتصلت بي حفيدتي

الجزء الثاني
جلس الحاج محمود على المقعد المعدني البارد أمام غرفة العمليات، ويداه متشابكتان بقوة حتى ابيضّت مفاصله. صوت الأجهزة في الداخل، وحركة الأطباء السريعة، وصراخ مريض بعيد كلها كانت تمر عليه وكأنها بعيدة جدًا، وكأنه داخل حلم ثقيل لا يستطيع الاستيقاظ منه.
لكن عينيه لم تفارقا باب العمليات.
بجانبه، كانت ليلى نائمة على كتفه من شدة البكاء، تمسك في قميصه الصوفي وكأنها تخاف أن يختفي هو أيضًا.
أما في داخله فكان هناك شيء آخر يتكوّن.
غضب هادئ لكنه مرعب.
مرّت ساعة ثم أخرى
حتى خرجت الطبيبة أخيرًا.
وقف الحاج محمود بسرعة، وكأن جسده سبق عقله.
طمّنيني يا دكتورة!
تنهدت الطبيبة، ثم قالت
قدرنا ننقذ الأم بس كانت حالة خطيرة جدًا. الضربة كانت قوية، وكنا على وشك نفقد الجنين.
تجمد للحظة.
والطفل؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة
في الحضّانة ضعيف، لكن عايش. محتاج متابعة دقيقة.
أغمض عينيه، ودمعة نزلت رغمًا عنه.
الحمد لله
لكن الراحة لم تدم.
فجأة، ظهر المقدم طارق مرة أخرى، ومعه اثنان من العساكر.
الحاج محمود، محتاجين نتكلم شوية.
نظر

له ببرود هذه المرة.
مفيش كلام بيني وبينك.
اقترب الضابط خطوة، وخفّض صوته
بصراحة الموضوع ممكن يتحل بهدوء. جوز بنتك قال إنها وقعت لوحدها، ومفيش شهود كبار
قبل أن يكمل، قاطعه محمود
في شاهدة.
سكت الضابط.
حفيدتي شافت كل حاجة.
تغيرت ملامح طارق للحظة، لكنه تماسك
دي طفلة وكلام الأطفال بيتاخد بحذر.
في تلك اللحظة، استيقظت ليلى ورفعت رأسها.
أنا مش بكذب! قالت بصوت مرتجف بابا زق ماما ووقعها وبعدين ضربها برجله!
ساد الصمت.
نظر الضابط للطفلة، ثم للحاج محمود، ثم قال بنبرة جافة
هنشوف
وغادر.
لكن الحاج محمود كان قد فهم الرسالة
القانون لن ينصفهم بسهولة.

بعد ساعات، سُمح له برؤية ابنته.
دخل الغرفة ببطء.
كانت سارة مستلقية، شاحبة، موصّلة بأجهزة، لكن عينيها كانت مفتوحة.
بابا
اقترب منها بسرعة.
أنا هنا يا بنتي متخافيش.
دمعت عيناها
كريم كان عايزني أنزل الجنين قال مش وقته ولما رفضت اتجنن.
انقبض قلبه.
وضربك؟
هزت رأسها ببطء.
حاول يخنقني الأول ولما صرخت ضربني في بطني
أغمض محمود عينيه للحظة ثم فتحهما، وقد تغير شيء داخله.
خلاص اللي حصل مش هيتكرر.
نظرت له بقلق
بابا متعملش حاجة تندم عليها
لكنه لم يرد.
فقط قبّل رأسها وخرج.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *