حماتها زقتها على السلم
أنتِ بتهبدي تاني يا إيناس.. ماشية زي هجامة الخيل، وصوت رجليكي مسمع في البيت كله.”
قالتها حماتي، “إلهام هانم الشربيني”، وهي قاعدة على رأس ترابيزة السفرة الطويلة، من غير ما ترفع عينها عن فنجان الشاي البورسلين الغالي.
خبطة الفنجان في الطبق بتاعه كان ليها صوت زي حكم المحكمة.
الفيلا بتاعت عيلة الشربيني كانت ريحتها دايماً ملمع خشب، وورد أبيض، وريحة فلوس قديمة ومتشالة ورا أبواب مقفولة. النجف الكبير كان رامي نور حاد وقوي على الفضيات والكريستال، وعلى السفرة الطويلة اللي ما حدش بيقعد عليها إلا لو في ضيف مهم أوي جاي عشان يبهروا بيه الناس. كنت واقفة جنة الباب، وإيديا الاتنين ساندة بطني اللي بقت في الشهر التاسع، وبحاول أتنفس بالعافية من الوجع والتقل اللي كان كابس على ضهري من تحت.
تسع شهور حمل، تعبانة وهلكانة، وبرضه بيعاملوني كأني بقعة زيت على رخامهم المتلمع.
هي دي كانت موهبة إلهام هانم.
تقدر تقلب الأوضة لمحكمة من غير ما تعلي صوتها نبرة واحدة.
أنا اتعلمت في البيت ده إني أكون زي الخيال. خطواتي صغيرة. صوتي واطي. وردود أفعالي مالهاش حس. كنت بلبس شبشب إسفنج طري على الرخام عشان بتشتكي من صدى الصوت. كنت باكل براحة أوي عشان قالت إن شهيتي “بيئة وتكسف”. ضحكت مرة واحدة زمان على الفطار، لقيتها بتطبطب بمنديل على طرف بوقها كأن الفرحة نفسها لوثت المنديل القماش بتاعها.
“عمرو” كان هو السبب الوحيد اللي مخليني هادية ومتحملة.
جوزي دخل وهو شايل صينية عليها كوباية مية وفيتامينات الحمل بتاعتي. بلوفر الفحم البسيط اللي كان لابسه ما كانش لايق خالص وسط غوايش الألماسات وبلوزة الحرير اللي لابساها أمه. ملامحه كانت هادية، بس حسيت بالوجع المكتوم جواه وهو بيحط إيده على ضهري من تحت. صباعه ضغط براحة، ضغطة كانت كلها دعم وأمان.
قال بصوت واطي: “سيبيها في حالها يا أمي.. إيناس، أنا هروح مشوار صغير وراجع علطول عشان نجهز شنطة المستشفى. ارتاحي ماشي؟”
هزيت راسي.
شفايف إلهام هانم اتلوت بضيق.
الناس دايماً كانوا بيفهموا هدوء عمرو غلط على إنه ضعف. كانوا بيشوفوا الابن اللي مابيرضاش يحضر حفلات “الشربيني جروب”، الراجل اللي بيلبس بلوفرات عادية مش بدل متفصلة بغرور، الزوج اللي بيجيب لمراته فيتامينات الحمل بنفسه بدل ما يزعق في الشغالين. بالنسبة لإلهام, هو كان عار على العيلة. مالوش لازمة. طيب زيادة عن اللزوم. وموش كلمة.