قابلتها في الشارع تحمل طفلا
يا سيدي، هل تبحث عن عاملة؟ سأقبل بأي عمل.. ابنتي تموت جوعاً!”
كنت على وشك أن أتابع سيري تحت المطر الغزير في ذلك المساء الكئيب، لكن المرأة رفعت رأسها. تجمد الدّم في عروقي، وتوقف العالم بأسره عن الدوران.
كانت ديمة! زوجتي التي اختفت قبل عامين كاملين، وتقام لها جنازة وتُدفن تحت اسم مستعار! كانت تقف شاحبة، كدمة باهتة تطبع وجهها، وشعرها مقصوص بشكل عشوائي ومزرٍ، وتحتضن طفلة رضيعة نائمة تحميها من البرد.
همست بصوت مرتجف يقطر رعباً: “سامر.. أرجوك لا تبدِ أي ردة فعل. والدتك تضع عيوناً تراقب كل زاوية”.
نظرت إلى الطفلة؛ عمرها عام واحد.. هذا يعني أن ديمة كانت حاملاً بها عندما اختفت. كتمت غضبي الشديد، وقلت بصوت جهوري مسموع لرجال الفندق: “أعتقد أن المطبخ بحاجة إلى يد عاملة إضافية”.
قدتها بهدوء إلى جناح الفندق الخاص بي. وما إن أغلقت الباب بالمفتاح وأسدلت الستائر، حتى جثوت على ركبتي. وضعت ديمة الطفلة برفق بين ذراعيّ وقالت بصوت متهدج: “أسميتها ياسمين.. والدتك ‘سهام’ هي من دبرت اختطافي ليلة حفل العشاء السنوي!”
صدمة وراء صدمة. تابعت ديمة وعيناها تفيضان بالدموع: “لقد دفعت أموالاً طائلة للطبيب الشرعي ليزور تقارير الأسنان بعد أن أحرقت سيارتي، لتقنعك بأنني متّ. وعندما علمت بحملي، احتجزتني في مزرعة مهجورة خارج المدينة، لأن وصية والدك الراحل تنص على نقل السيطرة الكاملة على ‘مجموعة شركات كنعان’ إليّ في حال حدوث مكروه لك. كانت تريدك وحيداً، مكسوراً، ومطيعاً.. وبلا وريث”.
فجأة، رنّ هاتفي. الشاشة تحمل اسماً يثير الرعب: “أمي”.
أجبت ببرود كالثلج: “نعم يا أمي؟”
جاء صوتها حاداً: “سامر، عشاء مجلس الإدارة يبدأ بعد ساعة، أنتظر توقيعك”.
أجبتها: “سأكون هناك قريباً”.
أمسكت ديمة بمعصمي ذعراً: “ستكشف الأمر!”.
طمأنتها: “كلا، لن تفعل”. فتحتُ جيباً سرياً في حقيبتي، وأخرجت هاتفاً آمناً متصلاً بمحقق فيدرالي وبشركة تحقيقات خاصة كنت قد استأجرتها سراً بعد أن ساورتني الشكوك حول الحادث.
لمدة عامين، ظن الجميع أن الحزن قد دمر عقلي. لكن الحقيقة هي أن الحزن علمني شيئاً واحداً: الصبر لافتراس القاتل.
أرسلت رسالة نصية واحدة للمحقق: “إنها على قيد الحياة. ابدأ المرحلة الثانية فوراً”.
التفت إلى زوجتي وهمست: “الليلة، ستتعلم والدتي ما هو ثمن دفن امرأة بريئة وهي لا تزال تنبض بالحياة”.