فستان المهرج – محمد نور

الفصل الأول: صباح المفاجأة الصادمة

كان أول ما رأيته في صباح زفافي هو أنف أحمر إسفنجي يتربع في المكان المفترض أن يستقر فيه طرحتي. وتحته وُضع زي مهرج مخطط ورسالة بخط يد حماتي الحاد: «اعرفي قدرك».

لعشر ثوانٍ، عمَّ الصمت غرفة العروس ولم يُسمع سوى صوت المطر وهو يقرع نوافذ قصر آل عنان. تجمدت وصيفاتي خلفي، وابتسامات الشمبانيا تحولت إلى رعب محض. أما أبي، الواقف قرب الباب ببدلته الرمادية الداكنة، فكان ينظر إلى المانيكان الفارغ حيث كان فستان زفافي المصمم خصيصاً لي يتدلى قبل ساعة واحدة.

قال بصوت خافت: «يا ليلى، لسْتِ مجبرة على فعل هذا».

في الأسفل، كان مئتا ضيف ينتظرون تحت الثريات الكريستالية. وكان خطيبي، فارس عنان، ينتظر هو الآخر، وسيماً وأنيقاً، وقد تربى في عائلة تنظر إلى الطيبة كفقر، وإلى الفقر كمرض.

أمُه، نوال، لم تُسامحني أبداً لكوني «عادية».. كانت هذه كلمتها المفضلة. همست بها في عشاء الخطوبة، ومآدب الخير، بل وحتى أثناء تذوق قالب الكعكة.

قالت نوال لفارس ذات مرة، غير مدركة أنني أستطيع سماعها من الممر: «ستتعلم الدرس.. الفتيات من أمثالها يتعلمن دائماً».

وقد ضحك فارس.

تلك الضحكة كانت السبب في ألا أذرف دمعة واحدة.

همست إحدى الوصيفات: «اتصلي بالأمن.. اتصلي بالشرطة.. اتصلي بفارس».

قلت ببرود: «لا».

التقطت زي المهرج. بوليستر رخيص. أزرار صفراء براقة. أكمام ضخمة. لقد حُسبت هذه الإهانة بعناية وقسوة مسرحية. أرادت نوال مني أن أتوارى، أن أنهار، أن أمنحها قصة تعيد روايتها لسنوات طويلة قادمة: «المسكينة ليلى.. غير متزنة تماماً.. درامية جداً.. لم تكن صالحة لعائلتنا أبداً».

تصلب فك أبي. وقال: «يا حبيبتي، أخبريني بما ترينه مناسباً».

نظرت إليه في المرآة. ثم نظرت إلى المجلد الأسود الصغير داخل حقيبة زفافي.. ذلك المجلد الذي استخفت به نوال واعتبرته مجرد «دفتر ملاحظات لطيف».

وبداخله كانت توجد نسخ موثقة، وسجلات بنكية، ورسائل إلكترونية، وفواتير مزودين، وعقد ملكية واحد موقع رسمياً.

لقد أخفت نوال الفستان الخطأ.. عن المرأة الخطأ.

قلت للوصيفات: «سدِّلوا السحاب».

حدقت بي الوصيفات بذهول. خطوت داخل زي المهرج.

كان القماش يخدش جلدي. وكانت الأحذية أكبر من مقاسي، لذلك أبقيت على حذائي الأبيض ذي الكعب العالي. ثبتُّ شعري تحت القبعة السخيفة التي تركتها نوال لي. ثم وضعت الأنف الأحمر في كفي، وأغلقت أصابعي عليه، وابتسمت.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *