طفل التراب – محمد نور
«يا بيه، أنا بسرق التراب بتاعك عشان محتاج أدفن أمي وأختي»، قالها لي الولد وهو حاضن جردل مكسور لصدره.
كنت مسكته وهو بيحفر في جنينة البنتهاوس الخاص بيا، فوق المدينة بـ30 دور، لكن أول ما فهمت هو بيعمل كده ليه، كل الفلوس اللي صرفتها عشان أبني عالمي المثالي فجأة حسيت إنها ملهاش أي قيمة.
اسمي أحمد المنصوري.
عندي 45 سنة، وكنت أقدر أدخل أي قاعة اجتماعات وأخلي رجالة كبار في عالم البيزنس يحسبوا كل كلمة قبل ما ينطقوا بيها.
لكن الصبح ده، ولد صغير هدومه كلها تراب، خلاني واقف مش عارف أقول كلمة واحدة.
كنت بستعد للفطار لما شوفته من ورا إزاز البلكونة.
كان قاعد القرفصاء جنب أحواض الزرع اللي جايبها مخصوص من بره، وبيحط بإيديه حفنات ورا حفنات من التراب الأسود الغني في جردله، وكأنه مستعجل يلحق حاجة مهمة جدًا.
الحارس بتاعي مسك جهاز اللاسلكي.
«استنى»، أمرته.
نزلت بنفسي، وحذائي غاص في الندى اللي على الزرع.
لكن الولد فضل يحفر، لحد ما ضلي وقع على إيديه.
«إنت بتاخد ترابي ليه؟»
اتجمد مكانه، وبعدها رفع عينيه ليا بالراحة.
هدومه كانت واسعة عليه وبتتدلى من جسمه الرفيع، وصوابعه حمرا من شدة البرد.
لكن عينيه مكنش فيها خوف ولا إحساس بالذنب.
كان فيها تصميم وبس.
«أنا محتاجه عشان أدفن أمي وأختي».
عدّى كام ثانية وأنا مش قادر آخد نفسي.
أنا عديت صفقات استحواذ شرسة، ودخلت مفاوضات بمليارات الجنيهات، وعمري ما فقدت أعصابي.
لكن ولا واحد من رجال الأعمال اللي وقفت قدامهم في حياتي قدر يهزني زي ما الولد ده هزني بإحدى عشرة كلمة.
«اسمك إيه؟» سألته وأنا بنزل على ركبتي جنبه.
«اسمي يوسف محمود».
«احكيلي إيه اللي حصل يا يوسف».
شد صوابعه أكتر حوالين الجردل.
«ماما عييت… وبعدها أختي عييت هي كمان. تيتة فاطمة حاولت تساعدنا، بس هي بتشتغل في تنظيف البيوت. مكنش معانا فلوس كفاية نجيب العلاج».
بلع ريقه بالعافية.
«المستشفى مقدرتش تنقذهم».
حسيت بحاجة جوايا اتكسرت.
أنا اتبرعت بملايين للمستشفيات.
ومولت أبحاث طبية، ووقفت مبتسم جنب لوحات متعلقة عليها اسمي، وأنا بتصور باعتباري واحد من الناس اللي بيساعدوا المجتمع.