انتقام صامت
خرجت والصالة كانت هس.. باسم كان قاعد مكسور، والغرور اللي كان مالي وشه اتهد. بصيت له نظرة أخيرة، نظرة مفيش فيها لا كره ولا حب، كان فيها “عدم” وبس.
باسم همس بصوت مكسور: “هتبيعي عشرة سنين عشان قلم؟”
رديت عليه وأنا عند باب الشقة: “العشرة إنت اللي بعتها لما فكرت إن وشي ده ملكك تكسره وقت ما تحب.. الفطار ده كان آخر واجب بعمله لك، ومن النهاردة، أنا اللي هختار مين يفطر معايا.”
خرجت وقفلت الباب ورايا. مشيت في السلم وأنا سانده على دراع أخويا، والشمس كانت طالعة بتغسل الشارع. لأول مرة من سنين، أخدت نفس طويل.. طويل أوي، وحسيت إن الهوا طعمه حرية.
الحكاية مخلصتش، بالعكس.. الحكاية لسه بتبدأ، بس المرة دي، أنا اللي بكتب السطور.
بعد شهرين، كنت قاعدة في بلكونة بيت أهلي الصبح. قدامي فنجان قهوة “سادة” من غير السكر الزيادة اللي كان بيجبرني أشربه معاه. مفيش حد بيزعق، مفيش صوت باب تلاجة بيترزع، ومفيش خوف من “نظرة عين” ممكن تقلب يومي نكد.
باسم حاول يبعت لي ناس، وحاول يكلم أخويا “مازن” عشان “يلموا الدور”، بس الرد كان واحد: “اللي يتمد إيده على بنتنا، ملوش مكان وسطنا.” القضية مشيت في طريقها، والورق اللي “تقى” كانت مجهزاه كان القاضية؛ باسم خسر كل حاجة، خسر البيت، وخسر احترامه قدام الناس اللي كان بيمثل قدامهم دور “الزوج المثالي”.
يوم الجلسة الأخيرة، شفته واقف بعيد، وشه باهت وشعره شايب، مكنتش مصدقة إن ده الإنسان اللي كنت بترعش منه. بص لي بعينيه اللي كان فيها ندم متأخر، بس أنا مكنش في قلبي غير السكوت. السكوت اللي علمني إن القوة مش في الصوت العالي، القوة في اللحظة اللي بتقرري فيها إنك “غالية” وما تستاهليش تتهاني.
وأنا بلم حاجتي من المحكمة، تقى سألتني: “نور، إنتي ندمانة؟”
بصيت للسما وابتسمت، لمست الجرح اللي تحت عيني اللي مابقاش باين غير لو ركزتي فيه، وقلت لها: “ندمانة إني استنيت كل ده.. بس عارفة يا تقى؟ الوجع اللي عشته خلاني أعرف أفرق بين اللي بيحبني بجد، وبين اللي عايز يملكني وخلاص.”
فتحت شنطتي وطلعت منها الميدالية اللي فيها مفاتيح شقتي الجديدة، شقة صغيرة بباب خشب متين، أنا اللي بفتحه وأنا اللي بقفله بمزاجي.
نزلت السلم بخطوات واثقة، مكنتش ماشية بداري وشي من الناس زي زمان. بالعكس، كنت رافعة راسي، وعيني في عين الكل. الشمس كانت دافية، والطريق قدامي كان لسه طويل، بس لأول مرة كنت عارفة أنا رايحة فين.