سقوط الاقنعة في المطبخ بقلم منال علي

​مريم مكنتش بتعيط بصوت، كانت بتنهج بالعافية، كأن أي نَفَس زيادة هيخنقها أو يخليها ترجع.. الحمل بيخلي الجسم ضعيف، والذل بيكسر الروح. شفت رعشتها، وفي اللحظة دي في حاجة جوايا انقطعت للأبد.

​قربت من كرسي السفرة، قعدت، وطلعت موبايلي في هدوء قاتل. أمي لفت راسها، وعينيها وسعت من الصدمة؛ مكنتش متوقعة إني هقعد كأني في اجتماع، ولا إني هبقى هادي كدة.

​— “إنت بتعمل..” بدأت تتكلم، بس رفعت إيدي بحركة معناها “اسكتي”.

​اتخرست

من الذهول.. صوابعها لسه كانت في شعر مريم، بس المنظر دلوقتي مكنش منظر “سيطرة”، كان منظر “جريمة” متصورة “كادر” ثابت. 

​دوست على زرار التسجيل؛ النقطة الحمراء على الشاشة كانت منورة زي عين صغيرة بتراقب كل حاجة. لفت الموبايل ناحيتها عشان تشوفه.

​— “ممكن تعيدي اللي قولتيه تاني؟” قولت الكلمة بصوت واطي وموزون. “اللي لسه قايلة حالا.”

​— “إنت بتعمل إيه؟” صوتها اتهز.. “إنت.. إنت بتجنن يا ابني؟”

​معليتش صوتي شعرة:

— “لأ، أنا بوثق. عيدي كدة: (دلوقتي وجوزك مش جنبك، هنشوف هتروحي مني فين).. واشرحيلي بالمرة ليه ماسكة مراتي الحامل من شعرها وموقفاها تغسل مواعين بمية تلج الساعة تلاتة الفجر.”

​مريم اتنفضت، كأنها لسه واخدة بالها إني واقف. بصتلي، وعينيها مكنش فيها بس راحة، كان فيها “كسوف”.. الكسوف اللي بيحس بيه الضحية رغم إنه المفروض يبقى من حق الجاني.

​أمي سابت شعرها فجأة كأنها لمست نار. اتعدلت وأخدت خطوة لورا بتحاول تلملم شتات

نفسها.. فجأة مكنتش “الحامة اللي بتأدب”، قلبت في ثانية لـ “الأم المظلومة”. 

​— “أنا كنت عايزة البيت يبقى نظيف!” قالتها بالنغمة المعتادة (أنا بعمل كدة عشانكوا). “صحيت لقيت المطبخ يضرب يقلب، قولتلها قومي اغسليهم، وهي اللي قامت.. محدش غصب حد!”

​لفيت لمريم:

— “إنتي اللي قمتي لوحدك؟” سألتها بالراحة.

​بلعت ريقها وحطت إيدها على بطنها كأنها بتحمي ابننا حتى من الكلام:

— “لأ.. هي اللي صحتني.. قالتلي (البيت ريحته وحشة) وإني (مبقومش من مكاني).. ولما قولت لها إني تعبانة،” صوتها اتهز، “راحت شداني من شعري.”

​أمي قطعت كلامها بغل:

— “متألفيش! أنا يا دوب لمستك! دي بتمثل يا ابني، إنت عارفها، بتعمل من الحبة قبة!”

​بصيت لأمي، ولأول مرة من سنين شفتها زي ما الغريب بيشوفها: مش الست القوية، لا الست اللي عايزة تتحكم في الكل؛ مش الأم الحنينة، لا الست القاسية اللي مش عارفة يعني إيه “حدود”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *