سقوط الاقنعة في المطبخ بقلم منال علي
قمت من الكرسي وقربت من الحوض.. قفلت المية
الساقعة، وفتحت المية الدافية.. مش عشان المواعين، عشان أحسس المكان إن في “رحمة” رجعت تاني. أخدت فوطة نظيفة وحطيتها على كتاف مريم.
— “اقعدي،” قولتلها. “متمسحيش حاجة، ومغسليش حاجة.. اقعدي اتنفسي، واشربي مية.”
صبيت لها كوباية مية بملعقة عسل، كنت عارف إن ده بيريحها لما زورها بينشف من التوتر.
أمي برطمت بصوت واطي:
— “أنا مش عايزة حد يقلب ابني عليا.. أنا مش عدوة، أنا هنا عشان إنتوا اللي طلبتوا مساعدتي.”
هزيت راسي، ممنعتهاش من الكلام، لإن الجدال كان هيقلبها خناقة، وأنا مش عايز خناق، أنا عايز “قواعد”.
— “فعلاً،” قولت لها. “إنتي هنا لإننا طلبنا المساعدة.. ودلوقتي اسمعيني كويس: في البيت ده، محدش يلمس حد، لا بإيد ولا بكلمة.. خصوصاً لو واحدة حامل، وخصوصاً في نص الليل.”
— “إنت بتأمرني؟” الشرارة رجعت لعينيها تاني. “أنا أمك!”
أخدت نَفَس وطلعته بالراحة:
— “أيوه.. مش بآمرك بصفتي ابنك، أنا بحدد حدودي بصفتي صاحب
البيت، وبصفتي راجل مسؤول عن أمان مراته وابنه اللي لسه مجاش.”
أمي اتسمرت مكانها.. مسمعتش مني الكلام ده قبل كدة. هي فاكرة إن “الحدود” دي قلة أدب أو موضة، بس أنا قولتها من غير خجل ولا اعتذار.
كملت كلامي:
— “مش هسيبك معاها لوحدكوا ثانية واحدة تانية.. ومن النهاردة، مفيش دخول أوضتنا ولا تصحي مريم بالليل.. لو في حاجة، قوليلي أنا.. بالنهار.. والنور قايد.”
— “إنت خايف مني؟” قالتها بسخرية.
بصيت في عينيها مباشرة:
— “لأ.. أنا خايف من اللي ممكن تعمليه لو مفيش حد وقفك عند حدك.. ده اللي خايف منه، لإني لسه شايفه بعيني.”
مريم كانت قاعدة، إيديها حاضنة الكوباية كأنها طوق نجاة. مكنتش بتعيط، بس الدموع كانت محبوسة في رموشها.. كانت هلكانة، مش تعب جسم بس، ده تعب حرب باردة كل يوم فيها كان “امتحان” عشان تثبت إنها تستاهل تعيش هنا.
أمي لفت وشها بعيد كأني ضربتها بالقلم.
— “بقى كدة؟.. بقيت أنا دلوقتي البعبع بتاعكم؟”
هزيت راسي:
— “بالنسبة لي، إنتي دلوقتي إنسانة مارست عنف.. ومش هغمض عيني عن ده.”
السكوت كان تقيل.. فجأة، عملت الحاجة التانية
اللي صدمتهم هما الاتنين.
روحت لباب الشقة، طلعت مفاتيحي، وبكل هدوء شيلت مفتاح الشقة من الميدالية. أمي لفت بسرعة: