أخويا دمر ركبتي
في اللحظة التي نطق فيها لسان الممرضة بهذا السؤال، شعرت وكأن الغرفة بأكملها قد بدأت تدور من حولي، ولم يعد الألم النابض في ركبتي المتفتتة هو الۏجع الوحيد الذي يعتصر جسدي، بل كان هناك ۏجع أعمق، ۏجع ېمزق روحي من الداخل. تيبست أطرافي فوق السرير الأبيض ذي الرائحة المعقمة بالكلور، ونظرت إلى أمي التي كانت واقفة على مقربة مني. رأيت بوضوح كيف تلاشت تلك الابتسامة المستفزة عن وجهها، وكيف تحولت ملامحها الواثقة المتكبرة إلى قناع من الړعب الخالص. لقد اهتزت عيناها في محجريهما، والتفتت يميناً ويساراً كحيوان حوصر في زاوية ضيقة لا مخرج منها. أمين الشرطة الذي كان واقفاً عند الباب، ممسكاً بقلمه ونوته الصغيرة، رفع عينيه فجأة ونظر إلى أمي بحدة، ثم وجه نظراته الفاحصة إلى الممرضة التي وقفت بشجاعة وثبات، واضعة يدها على كتفي لتطمئنني، وكأنها تخبرني بنظراتها أنها لن تسمح پضياع حقي.
أنا هناء، أبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، قضيت منها سنوات طوال أدرس وأعمل وأجتهد في عالم الأرقام والحسابات والمراجعات المالية. طوال حياتي، كنت الشخص الذي يرى ما لا يراه الآخرون؛ أكشف الثغرات في الميزانيات، وأتتبع حركة الأموال المفقودة، وأعيد ترتيب الفوضى التي يخلفها اللصوص والمحتالون وراءهم في الشركات الكبرى. لكنني، ويا للأسف الشديد، عجزت لسنوات طويلة عن كشف التلاعب والمؤامرات التي كانت تُحاك ضدي في عقر داري، ومن أقرب الناس إلى قلبي أمي وأخي طارق.
طارق، الذي يصغرني بعامين، كان دائماً الابن المدلل، الولد الذي لا يخطئ في نظر أمي، حتى لو هدم البيت على رؤوسنا. كانت أمي ترى فيه امتداداً لوالدي الراحل، أو ربما كانت تعوض فيه نقصاً في شخصيتها؛ فكلما تعثر طارق في دراسته أو فشل في مشروع، كانت تلوم الظروف، تلوم أصدقاء السوء، وتلومني أنا شخصياً لأنني لم أساعده بما يكفي. وعندما أسس شركته الصغيرة للتوريدات، وبدأ يتصرف كأنه من كبار رجال الأعمال في البلد، مستعيناً بسيارات فارهة بالتقسيط ومظاهر خداعة، كانت أمي تسير خلفه كظله، تتباهى به أمام الجيران والأقارب، بينما كنت أنا في نظرها مجرد موظفة تقليدية معقدة، تحسب القرش وتدقق في التفاصيل.
لم تكن أمي تعلم، أو ربما كانت تتجاهل عمداً، أن شركة طارق لم تكن سوى واجهة من الكرتون، مبنية على القروض والديون المؤجلة والشيكات بدون رصيد. وكنت بحكم طبيعة عملي أرى تلك الكوارث قادمة من بعيد، وحاولت مراراً وتكراراً أن أنصحه، بل وأنقذه من ورطات قانونية كادت تودي به إلى السچن، لكن رد فعله كان دائماً الصړاخ والاتهام بالغيرة والغل، وكانت أمي تتدخل فوراً لتنهي النقاش بعبارتها الشهيرة أخوكي سيد الرجالة، وبكرة هيوريكي هو مين، وأنتِ بس اللي عينك منه!.
لكن الأمور اتخذت مساراً مرعباً ومختلفاً تماماً قبل يومين فقط من هذه اللحظة المريرة في المستشفى.
كان طارق قد أعلن فجأة عن خطوبته من فريدة، وهي فتاة غاية في الرقة والجمال، وتنتمي إلى عائلة أرستقراطية شديدة الثراء والنفوذ. كان طارق يرى في هذا الزواج طوق النجاة الأخير له؛ فالشراكة مع عائلة فريدة كانت تعني تدفق ملايين الجنيهات إلى حساباته، والحصول على عقود حكومية ضخمة، فضلاً عن المهر والشبكة والبيت الفخم الذي سيعيش فيه. كان طارق يبدو في قمة سعادته، وأمي كانت تطير فرحاً، وبدأت بالفعل في التحضير لحفل الزفاف الأسطوري الذي كان مقرراً بعد ثلاثة أسابيع.
وفي تلك الليلة المشؤومة، ليلة الخطوبة الرسمية التي أقيمت في قاعة أحد الفنادق الكبرى، عاد طارق