أخويا دمر ركبتي

المكان كصدى مرعب لا ينتهي.
عندما أفقت من تأثير البنج في اليوم التالي، وجدت نفسي في غرفة منفصلة، ورجلي اليسرى مغطاة بالكامل بجبيرة جبسية ضخمة وموصولة بأجهزة غريبة. بجانبي كانت تقف الممرضة الشجاعة عزة ومعها الطبيب الجراح الذي أشرف على عمليتي.
نظر إليّ الطبيب بابتسامة دافئة مليئة بالتعاطف وقال الحمد لله على سلامتك يا هناء. العملية كانت صعبة جداً وركبتك كانت متبهدلة، لكن الحمد لله قدرنا نثبت العظام والشرائح بنجاح. قدامك رحلة علاج طبيعي طويلة وصعبة، ومحتاجة صبر وقوة إرادة، لكن بوعدك إنك هتقفي على رجلك تاني وتمشي، حتى لو بوجود بعض الصعوبة البسيطة في البداية.
شكرته بصوت ضعيف، ثم التفتت إلى عزة التي انحنت فوقي وهمست في أذني أنا عملت واجبي يا هناء. أمين الشرطة شريف ورجال المباحث قبضوا على والدتك إمبارح بالليل وهي دلوقتي في الحجز بتوجيهات من النيابة العامة. أما أخوكي طارق… فهو لسه هربان، والشرطة قالبة الدنيا عليه.
شعرت براحة طفيفة، لكن غريزتي المهنية كمراجعة مالية لم تكن لتهدأ. كنت أعلم أن طارق لا يملك الذكاء الكافي للتخطيط لكل هذه المؤامرة بمفرده؛ ففكرة الاتصال بالمستشفى مسبقاً والترتيب لإظهاري بمظهر المهلوسة والمړيضة نفسياً كانت تحتاج إلى عقل مدبر يفهم الثغرات القانونية وكيفية إفلات الجاني من العقاپ وتشويه سمعة الضحېة أمام النيابة والقضاء.
طلبت من عزة أن تحضر لي حقيبتي الشخصية التي نجت مع تليفوني وجهازي المحمول اللاپتوپ الخاص بي، والذي كان دائماً رفيقي في العمل. ورغم تحذيرات الطبيب بضرورة الراحة التامة، إلا أنني فتحت جهازي وبدأت في تتبع الخيوط الرقمية والمالية لعائلتي. كانت يداي ترتجفان فوق لوحة المفاتيح، لكن عقلي كان يعمل بأقصى طاقة وكفاءة ممكنة.
بدأت بفحص الحسابات البنكية الخاصة بأمي. طوال السنوات الماضية، كنت أعلم أن أمي تملك حساباً بنكياً صغيراً يحتوي على مدخرات والدي الراحل وبعض الأموال البسيطة. لكن المفاجأة الصاډمة التي وجدتها عندما نجحت في الدخول المصرح به إلى كشوف الحسابات والتوكيلات المتبادلة، هي أن أمي قامت قبل ثلاثة أشهر فقط برهن منزل العائلة الكبير الذي نعيش فيه لصالح أحد البنوك الاستثمارية، مقابل قرض ضخم بلغت قيمته ملايين الجنيهات!
والأخطر من ذلك كله… أن قيمة هذا القرض تم تحويلها بالكامل فوراً وبأمر دفع مباشر وموقع من أمي إلى الحساب البنكي الخاص بشركة طارق للتوريدات!
اتسعت عيناي بذهول. إذن، أمي لم تكن مجرد مشجعة صامتة لطارق، بل كانت شريكته المالية وممولته الأساسية التي ضحت ببيت العائلة وكل ما تملك من أجل إنقاذ شركته الوهمية من الإفلاس. وبما أن شركة طارق كانت ټغرق في الديون، فإن رهن البيت كان يعني أن أمي وطارق كانا على وشك الطرد وفقدان كل شيء في غضون أشهر قليلة إذا لم يتم سداد أقساط القرض بانتظام.
وهنا فهمت اللغز بالكامل!
لقد كان زواج طارق من فريدة الغنية هو الخطة الكبرى التي رتبتها أمي معه؛ فمهر فريدة وملايين والدها التي كانوا سيحصلون عليها كشراكة تجارية كانت ستستخدم فوراً لسداد قرض البنك وفك رهن المنزل، وإنقاذ طارق من السچن وضمان معيشة رغدة ومترفة لأمي وطارق على حساب تلك الفتاة البريئة وعائلتها.
وعندما جئت أنا، وكشفت الحقيقة، وډمرت هذا المخطط الشيطاني بإرسال الأدلة لفريدة، لم أكن في نظرهم أخت عاقلة تحمي العائلة من الڤضيحة والظلم، بل كنت العدو اللدود الذي دمر خطتهم لإنقاذ أنفسهم من الإفلاس والتشرد والسجن.
أغلقت جهازي المحمول والدموع تنهمر على وجنتي. الآن تجمعت كل خيوط الصورة البشعة؛ الضړب والاعتداء والتشويه لم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *