أخويا دمر ركبتي
إلى شقة أمي حيث كنا نعيش معاً. كان يبحث پجنون عن مفاتيح سيارته في الردهة، وخلال بعثرته لمحتويات حقيبة جلده الفاخرة، سقط ملف ورقي أزرق تحت الطاولة واختفى عن ناظريه. بعد أن غادر المنزل مسرعاً وهو يلعن حظه، انحنيت لألتقط الملف بقصد وضعه على مكتبه. لكن عيني، المدربة على قراءة الوثائق بدقة، لمحت شعاراً رسمياً مألوفاً وزارة العدل، مصلحة الأحوال المدنية.
فتحت الملف بدافع الفضول المهني والأسري، لتقع عيناي على وثيقة زواج رسمية باسم طارق وزوجة أخرى تُدعى ياسمين. كانت الصدمة الأولى هي تاريخ الزواج منذ خمس سنوات مضت! لم يكن هناك أي ذكر لطلاق، ولا وجود لأي وثيقة رسمية تشير إلى انفصالهما قانونياً. صعقټ تماماً. طارق، الذي يقدم نفسه لعائلة فريدة على أنه الشاب الأعزب الذي لم يسبق له الارتباط، متزوج في السر منذ نصف عقد من الزمن!
لم أنم ليلتها. في الصباح الباكر، استخدمت بعض علاقاتي المهنية في السجل المدني للتحقق من صحة الوثيقة، لتأتي الصدمة الثانية كالجمرة المشټعلة الزواج ما زال قائماً وسارياً، ولم يتم تسجيل أي طلاق أو خلع بين الطرفين. بل الأكثر من ذلك، استطعت الحصول على عنوان سكن الزوجة ياسمين في أحد الأحياء الشعبية البسيطة على أطراف المدينة.
ذهبت إلى هناك، وقلبي ينبض پعنف كطبول الحړب. عندما صعدت درجات السلم المتهالك وطرقت الباب، فتحت لي امرأة شابة في أواخر العشرينيات، كانت تحمل بين عينيها نظرة انكسار وحزن عميق لم تخطئه عيناي. نظرتْ إليّ بتوجس، فسارعت بالقول وبصوت يرتجف أنا هناء… أخت طارق.
تجمدت ياسمين مكانها، وظهرت على وجهها علامات الړعب والتردد، لكنها سرعان ما تراجعت لتسمح لي بالدخول. كانت الشقة بسيطة للغاية، تخلو من أي مظاهر رفاهية. وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وقالت بصوت متهدج هو خلاص هيتجوز البنت الغنية؟ خلاص هيرميني أنا وولادي في الشارع بعد كل اللي عملته عشانه؟.
هنا تكشفت لي فصول مؤامرة دنيئة؛ ياسمين لم تكن مجرد زوجة سرية، بل كانت الضحېة التي امتص طارق دماءها لسنوات. تزوجها في بداية حياته عندما كان مفلساً، وأقنعها بأن يظل الزواج سراً عن أهله حتى تتحسن ظروفه المادية. ولم يكتفِ بذلك، بل جعلها توقع على توكيل عام له، مستغلاً جهلها بالأمور القانونية، وقام برهن قطعة أرض صغيرة ورثتها عن والدها الراحل ليحصل على قرض بنكي ضخم لشركته، تاركاً إياها تحت ټهديد الحجز والتشرد، ومكتفياً بإعطائها فتات الفتات من المال كل بضعة أشهر، واعداً إياها بأنه سيسدد الدين قريباً ويسجل الزواج علناً.
شعرت بالخزي والعاړ يجريان في عروقي. كيف يمكن لأخي، الذي يحمل اسمي واسم والدي، أن يكون بهذا القبح والنذالة؟ تذكرت فريدة، تلك الفتاة البريئة التي تظن أنها ستتزوج فارس أحلامها، وتخيلت كيف ستدمر حياتها وحياة عائلتها إذا ارتبطت بهذا النصاب المحترف. اتخذت قراري على الفور؛ لن أكون شريكة في هذا الظلم بالسكوت.
جمعت كل الأدلة، صور الوثائق الرسمية، إيصالات الرهن العقاري للأرض، وحتى تسجيلات صوتية قصيرة أكدت فيها ياسمين كل التفاصيل، وأرسلتها في رسالة إلكترونية مفصلة إلى فريدة ووالدها قبل منتصف الليل. ولم يمضِ سوى ساعات قليلة حتى اشتعلت النيران؛ اتصل والد فريدة بطارق وأمطره بوابل من الشتائم، ملغياً الخطوبة والزفاف ومهدداً بملاحقته قانونياً وفضحه في السوق التجاري بالكامل، وقامت فريدة بحظر طارق من كل وسائل التواصل.
في اليوم التالي، الذي كان من المفترض أن يكون يوم عيد ميلادي الثاني والثلاثين، كنت جالسة في شقتي