جوزي مات ٢ – منى السيد

مرت الأيام بعد الليلة دي تقيلة وبطيئة، زي المية الراكدة اللي تحتها طين وسواد مستني أي حركة عشان يعكر كل حاجة. حماتي استقرت في الأوضة اللي فوق السطوح، كنت بطلعلها صينية الأكل بإيدي تلات مرات في اليوم، ومعاها شريط الدوا وكوباية الشاي، لكن الكلام بيننا كان على قد السؤال والجواب: “عايزة حاجة يا خالتي؟”، فترد بصوت مكسور ممزوج بدموع الندم: “تسلم إيدك يا بنتي، ربنا يستر طريقك ويعوض صبرك خير”.

كنت بنزل وأسيبها، قلبي ما كانش قادر يصفى بالكامل، بس ضميري كان مرتاح إننا ما رديناش القسوة بالقسوة، ولا رمينا ست عجوزة في الشارع زي ما عملت معانا زمان لما كان لحمنا طري وتراب قبر جوزي لسه مندي.

أحمد ابني كان وشه مقلوب طول الوقت، مبيرضاش حتى يطلع السطوح، وكل ما يشوفني شايلة الصينية وطالعة بيها، يبص في الأرض ويضغط على سنانه بغيظ، عارف إن أمه بتعمل الصح قدام ربنا، بس جرح الطفولة وذكريات القهر كانت لسه حية جوة قلبه، كأنها حصلت إمبارح بس.

وفي يوم جمعة، بعد صلاة الضهر، المحل كان مولع شغل؛ ريحة الشوي والسمنة البلدي في طواجن الجمبري مالية الشارع، والزبائن واقفة طوابير قدام الميزان، والعمال بيجروا في كل اتجاه. كنت واقفة قدام الدرج بحاسب الناس وبظبط الطلبات، وأحمد واقف على ميزان السمك الخارجي، صالب طوله وعينيه صاحية لكل كبيرة وصغيرة في المحل.

وفجأة، حسيت ببرودة غريبة عدت في المكان

رغم حرارة نيران الشوي وأفران السمك.
رفعت عيني ناحية الشارع، لقيت توكتوك ركن على جنب، ونزل منه راجل بجلبية مش مظبوطة وسيجارة بين صوابعه، لابس نضارة شمس رخيصة وعينيه عمالة تمسح المحل واليافطة الكبيرة المكتوب عليها بالبنط العريض “أسماك البركة – لأولاد المرحوم”.

كان إبراهيم.

عم العيال، وأخو جوزي الصغير، اللي اتعمل علشانه زمان مسرحية الطرد والجبروت.

وقف يتأمل الرزق والنعمة، عيونه كانت بتاكل الواجهة الزجاجية، والتلاجات الإستانلس الكبيرة، وصواني السمك الطازة اللي بتلمع بالتلج. حسيت قلبي هبد بين ضلوعي، الدم هرب من وشي في ثانية، مش خوف منه ولا من جبروته القديم، لكن قرف واشمئزاز من خيال الماضي لما رجع يتجسد قدامي بلحمه ودمه.

رمى السيجارة تحت رجله وداس عليها بطرف جزمته، ودخل خطوتين جوة المحل، وصوته الرنان المشروخ طلع بكل برود وبجاحة: — يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه العز ده كله؟! إيه الأبهة دي يا مرات أخويا؟! بقى إحنا عيلتنا تفتح الصرح ده كله وإحنا مش داريين ولا واصلنا خبر؟!

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *