جوزي مات ٢ – منى السيد
الصوت ده كان كفيل إنه يخلي الحركة تقف في الصالة. الصنايعية اللي عارفين الحكاية من أحمد بصوله بحذر، والزبائن التفتت باستغراب للصوت العالي المشحون.
أحمد ساب كيس السمك اللي كان بيوزنه، ونزل من ورا الميزان بخطوات تقيلة، عروق رقبته اتنفخت ووشه جاب ألوان، وقف سادد الطريق بين إبراهيم وبين الصالة
الداخلية، وصوته كان واطي بس فيه فحيح يخوف: — إنت مين يا بني آدم إنت؟ وعايز إيه من هنا؟
إبراهيم قلع النضارة وحطها في جيب جلبابته، وبص لأحمد من فوق لتحت بنظرة استهزاء وضحكة صفرا بانت فيها سنانه المسوسة: — مين؟! ما عاش ولا كان اللي ينسى عمه يا حيلتها! كبرت وبقى ليك شنب وطول يا ابن الغالي، وبقيت تقف تضايف عمك بالشكل ده؟! فين التربية اللي أمك ربتهالك؟ ولا الفلوس والقرشين اللي عملتوهم نسوكم الأصول والدم؟
أحمد شد إيده وقبضتها بقت حجر، كان مستعد يديله بوكس يهد وشه في الأرض، بس أنا طلعت من ورا الدرج بسرعة ووقفت في النص بينهم، حطيت إيدي على صدر أحمد عشان أمنعه من الغلط: — ارجع يا أحمد، دا مش مكانه ولا وقته.
بصيت لإبراهيم، وقفت بثبات الست اللي عاشت المرار كله ومبقاش فيه في الدنيا حاجة تكسرها: — إنت جاي ليه يا إبراهيم؟ المحل ده محل شقا وأكل عيش حلال، مش مأوى للي مالهومش أصل. سمك وبيع بنبيع للغريب والقريب بالفلوس، إنما لو داخل تتهجم وتعمل نمرة، قسماً برب العزة ألم عليك أهل المنطقة يمسحوا بيك بلاط الشارع.
إبراهيم اتنحنح وابتسامته الصفرا بردت، بص يمين وشمال على العمال اللي كانوا مستنيين إشارة من أحمد عشان يشيلوه من قفاه ويرموه برة، حب يغير نبرته لنبرة العتب المسموم: — على مهلك يا مرات أخويا، إيه كل الشراسة دي؟! ما كانش العشم! أنا جاي لحماتي… لأمي اللي خطفتوها وضحكتوا
عليها. الناس في الحارة القديمة قالولي إن أمي عندكم هنا، وأنا جاي أخدها، ولا فاكرين إنكم لما تاخدوها هتاكلوا عقلها وتخلونا ننسى حقنا في التركة والخير ده كله؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت كحّة ناشفة ورجلين بتجرجر على السلم الداخلي.
حماتي كانت نازلة بالراحة، سانة على الحيطة وبتبص برعب. كانت سامعة صوته من فوق وعارفة جشعه اللي ما لوش قرار.
أول ما شافها إبراهيم، اتصنع اللهفة وزعق بتمثيل رخيص: — يا أماه! بقى تهوني عليكي وتسيبي بيتك وعيالك وتيجي تقعدي في روايح الزفارة وخدمة المحلات؟! تعالي معايا يا غالية، ده البيت بيتك ومطرحك، مراتي اللي زعلتك أنا هكسرلك رقبتها تحت رجلك، بس متقعديش هنا تديهم حجة يشمتوا فينا وياكلوا من ورانا دهب!