جوزي مات ٢ – منى السيد
حماتي اتكلمت بصوت طالع من قاع الحزن والقهر: — أمد إيدي وأقطع لسانك كمان! ورث مين يا واطي؟! ودهب مين اللي بتتكلم عنه؟! المحل ده مبني بعرق لحم الست الشريفة دي، اللي باعت حلقان بناتها عشان تأجر أوضة تستر فيها عيال المرحوم! دهب مين وأنا كنت بكنس الشقة وراها عشان ملقيش فيها فتافيت عيش تاكلها؟! المحل ده رزق ربنا للأيتام اللي أنا وإنت تجبرنا عليهم ورميناهم للكلاب، لكن ربنا كان أرحم بيهم مننا. إنت مش ابني، ولا أعرفك، ولا ليك مليم هنا ولا في بيت أبوك، واللقمة اللي باكلها هنا دي كرم وجود من لحم نضيف، مش من غدرك وقسوتك!
الناس اللي في الشارع والمحل بدأوا يهللوا: — حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا قليل الأصل! — ارموه برة المحل، ده واد جاحد ملوش أمان! — اطلع برة يا واطي، روح لأمك اللي شردتها جاي دلوقتي تطمع في رزق الأيتام؟!
إبراهيم لقى الدنيا بتضيق عليه، وكل العيون بتنهش فيه بغضب، رجع لورا بضهره وهو بيشتم ويلعن في الهوا، مسك نضارته المكسورة وزعق بصوت مهزوز قبل ما يجري على التوكتوك: — مش هسيبكم… والله
ما هسيبكم! مسيركم تقعوا في إيدي!
ركب التوكتوك وجري وسط صياح الناس وتفالهم في سكته، وانتهت الزفة اللي كان فاكر إنه هيرعبنا بيها.
المحل هدي، بس الهوا كان لسه تقيل. بصيت لحماتي، كانت واقفة بتنهج، ورجلها خانتها فجأة وكانت هتقع على الأرض. جريت عليها أنا وأحمد في نفس اللحظة، مسكناها من تحت دراعاتها وسندناها لحد ما قعدناها على أقرب كرسي.
جبتلها كوباية مية بسكر، شربت منها بق، وبعدين رفعت راسها وبصت لأحمد، مسكت إيده الباردة الخشنة من الشغل، وضمتها بين إيديها الاتنين الدايبين، وعينيها بتفيض بالدموع: — سامحني يا ضنايا… سامح ستك اللي عميت عينيها الدنيا وظلمتكم. ده أنا كنت هموت من غير ما أشوف العدل بعيني، حقكم جه لحد عندي وكسرني، بس كسرني بالحق. ربنا يحميك لأمك وأخواتك، إنت الراجل اللي أبوك كان يتمناه.
أحمد فضل باصص لإيدها اللي ماسكة إيده، عيونه لمعت بدمعة حارة نزلت غصب عنه، مرار السنين كله اتبخر في اللحظة دي لما شافها بتنتصر للحق وبتضرب ابنها عشانهم. وطى براسه بهدوء، وباس راسها من فوق الطرحة بصوت مخنوق: — خلاص يا ستي… اللي فات مات، والمسامح كريم. إنتي في حمانا ومحدش هيقدر يمسك بسوء طول ما فينا نفس بيطلع وينزل.