استخدمت بنت خالتي
نظرت إلى الشاشة طويلًا. ثم اتصلت بصديقتي المقرّبة.
“هل المشروع في سياتل ما زال قائمًا؟”
“نعم. سنغادر غدًا.”
هذه المرة، لم أتردد.
أغلقت الهاتف وأنا ما زلت أحدق في الشاشة، وكأن الرسالة الأخيرة من أمي لا تزال معلّقة في الهواء: “سأرسل لك بعض المال وانتهى الأمر.”
لم يكن المال هو المشكلة… بل فكرة أن كل ما أشعر به يمكن اختزاله في تحويلة بنكية.
جلست على طرف السر,,ير القابل للطي في الشرفة. الهواء كان باردًا أكثر من المعتاد تلك الليلة، أو ربما أنا فقط من بدأ يشعر بكل شيء أخيرًا.
لأول مرة لم أكن أفكر: هل أبالغ؟ هل أنا حساسة زيادة؟ هل يمكن أن أكون مخطئة؟
كان كل شيء واضحًا بشكل مؤلم.
الهاتف اهتز مرة أخرى. رسالة من مارلا: “لو سمحتِ لا تزعلي… أنا فعلاً كنت أقصد خير… البيت بالنسبة لي مكان أمان، وأنا بحاول أندمج…”
لم أجب.
بعدها بدقائق، رسالة من أخي: “لو هتسافري أو تسيبي البيت، ده قرار أناني. هتكسري العيلة عشان دراما فيسبوك؟”
ابتسمت بسخرية قصيرة. كلمة “دراما” كانت دائمًا السلاح المفضل لديهم ضد أي شعور لا يعجبهم.
في تلك اللحظة، فتحت حقيبتي القديمة. بدأت أضع فيها أشياء قليلة: بعض الملابس، أوراقي، الشاحن، ودفتر صغير كنت أكتب فيه كل شيء ولا أجرؤ على قوله.
توقفت لحظة عند صورة قديمة لنا جميعًا… كنت فيها أصغر، واقفة على طرف الصورة كأنني زائدة عن الإطار.
وضعتها جانبًا.
في الصباح التالي، كانت الشقة هادئة بشكل غريب. لا أحد ناداني باسم خطأ، لا أحد طلب مني ترتيب شيء، لا أحد تصرف كأن وجودي مؤقت.
وقفت أمام الباب للحظة.
كان بإمكاني أن أعود، أن أفتح الهاتف، أن أكتب شيئًا يلين القلوب، أن أشرح، أن أعتذر فقط كي يعود “الهدوء”.
لكنني تذكرت شيئًا بسيطًا:
الهدوء الذي كنت أعيشه هناك… لم يكن سلامًا. كان تجاهلًا.
فتحت الباب وخرجت.
في الخارج، كانت الشمس أعلى مما توقعت، والهواء أخف، وكأن المدينة كلها لا تعرف قصتي… ولا تهتم بها.
وصلتني رسالة أخيرة من أمي وأنا في الطريق: “لما تهدي، ارجعي البيت. احنا أهلك في النهاية.”
نظرت إلى الشاشة طويلًا، ثم أغلقتها دون رد.
لأول مرة، لم يكن “البيت” شيئًا أعود إليه…
بل شيئًا قررت أن أتجاوزه.
ركبت الحافلة المتجهة إلى المطار، حقيبتي على قدميّ وكأنها أول مرة أمتلك شيئًا يخصني فعلًا.