جدي

انتهت طلقات التحية العسكرية فوق تلال الساحل الشمالي… عندما تنحنح المحامي “حازم رفعت” وقرأ اسمي.

كنت واقفة عند شباك مكتبة القصر… أراقب الجنود وهم يطوون العلم بدقة غريبة… حزنهم كان صامت… لكنه مليان احترام.

وافتكرت آخر مرة اتكلمت فيها مع جدي…

من ست شهور… في نفس البيت…

كنا بنشرب قهوة بردت… وهو قال جملة مفهمتهاش غير بعد وفاته:

“الناس اللي بتشتغل في صمت… التاريخ عمره ما بيذكرهم… لكنه دايمًا محتاجهم.”

وبصلي بطريقة مختلفة عن أي حد في العيلة…

كأنه شايف فيا حاجة أنا نفسي لسه مش شايفاها.

جدي كان لواء أربع نجوم…

خدم سنين طويلة… في مهام محدش مسموح له يحكي عنها.

كان عنده أوسمة معلّقة على الحيطة…

وأوسمة تانية… عمرها ما اتعلقت.

وكان دايمًا هو مركز العيلة…

بس محدش فينا كان فاهم هو فعلاً مين.

وفي القوضة اللي كانوا بيوزعوا فيها الميراث…

أنا… أخدت ظرف.

بس.

بابا كان مبسوط… بشكل واضح.

ماما كمان…

وأخويا “كريم” كان بيحسب نصيبه هيعمل بيه إيه.

جدتي بس… كانت ماسكة العلم ومش باصة لحد.

وبابا قال نفس الكلمة اللي كسرتني:

“واضح إنه ما كانش بيحبك.”

مسكت الظرف… ورفعت راسي…

عشان ده اللي جدي علّمهولي.

جواه كان فيه:

تذكرة سفر…

ورسالة:

“يا ليلى… خدمتي في صمت زيي… دلوقتي وقتك تعرفي الحقيقة. روحي لندن. الواجب ما بينتهيش لما بنخلع الزي.”

تاني يوم… سافرت.

وفي مطار لندن…

كان في سواق مستنيني… باسمي الكامل…

وبملابس رسمية ملكية.

ركبت معاه…

ومن غير لف ودوران… وصلت لقصر ملكي.

استقبلني رجل اسمه “سير أدهم فاروق”.

وقال الحقيقة اللي قلبت حياتي:

جدي كان قائد عملية سرية مشتركة بين مصر وبريطانيا… أيام الحرب الباردة…

عملية منعت كارثة كانت هتغير العالم.

وكان المفروض ياخد وسام من الملكة بنفسها…
لكنه رفض.

سألته ليه…

قال:

“طلب يتأجل… لحد الوقت المناسب.”

وفتح صندوق صغير…

جواه:

وسام…

ورسالة من جدي…

بيقولي فيها:

“لو بتقري ده… يبقى انتي اللي تستحقيه. مش بالرتبة… لكن بالخدمة.”

قابلت الملكة…

قالتلي إن جدي كان شايف إن الشرف الحقيقي… مش في الاحتفالات… لكن في الأفعال الصامتة.

وقالتلي جملة عمرها ما هتسيبني:

“الإرث مش اللي بتاخديه… الإرث هو اللي بتكمليه.”

طلبت أروح الأرشيف.

وهناك… شفت الحقيقة كلها.

دفاتر جدي…

عمليات سرية…

إنقاذ مدنيين…

إعادة بناء قرى…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *