بابا قالي إنه هيمشي تلاتين دقيقة بس.. بس بقاله أربع أيام بحالهم غايب صوت البنت الصغيرة وصل لخط النجـدة زي خيط رفيع دايب مش مسموع من كتر دوشة المطر اللي كانت بتخبط فوق السطوح في منطقة شعبية في ضواحي المدينة. على الناحية التانية من الخط موظف الاستقبال إبراهيم اتعدل في كرسيه وبدأ يركز في كل كلمة اسمك إيه يا حبيبتي لبنى. عندي سبع سنين إبراهيم بص على العنوان اللي ظهر قدامه على الشاشة. المكالمة كانت جاية من بيت صغير في حارة ضيقة المنطقة دي الكل فيها عارف بعضه بس محدش بيحب يدخل في شؤون غيره يا لبنى.. إنتي لوحدك في البيت سكتت خالص وبعدين سمع صوت شهقة عياط واطية أيوة. بابا نزل يشتري دواء وأكل. قالي هروح وأرجع على طول. بس مجاش. وصوتها بدأ يترعش وقالت بطني بتوجعني قوي إبراهيم حس ببرودة في إيده وهو بيسمعها آخر مرة أكلتي فيها كانت إمتى مش فاكرة. كان فيه حلة شوربة على البوتاجاز بس ريحتها كانت وحشة. شربت مية من الحنفية. واديت لزيزو كمان مين زيزو ده الكلب اللعبة بتاعي إبراهيم شاور فوراً لأقرب دورية شرطة تروح العنوان لبنى اسمعيني كويس. فيه سيادة الضابطة مريم جاية ليكي دلوقتي. خليكي معايا على الخط ماشي لما الضابطة مريم وصلت البيت كان الضلمة محاوطاه من كل حتة. الباب كان مقفول بس الستارة اتهزت من جوه بالراحة خبطت على الباب بصوت واطي لبنى؟ أنا مريم. أنا هنا عشان أساعدك الباب اتفتح حتة صغيرة وظهرت منها عين خايفة وتعبانة إنتي مش هتزعقي لي مريم نزلت لمستواها وقالت لها بحنية لا يا حبيبتي. محدش هيزعق ليكي أبدا البنت فتحت الباب على آخره كانت واقفة حافية على البلاط الساقع ولابسة تيشيرت كبير بتاع باباها. بطنها كانت منفوخة وشفايفها ناشفة ومشتققة من العطش ودراعاتها كانت رفيعة لدرجة تخلي الواحد يعيط وهو بيبص عليها جوه البيت الثلاجة كانت فاضية مفيهاش لقمة كان فيه ورقة طلبات مكتوبة بالإيد ومرمية على ترابيزة المطبخ رز. فراخ. محلول جفاف. دواء لبنى وجنب التليفون ورقة تانية مكتوب فيها ميعاد مع الدكتور محمد. ضروري جدا في الوقت ده الجيران بدأوا يتجمعوا قدام البيت الست نعمات كانت واقفة بتوشوش وتقول بصوت مسموع للكل أنا كنت عارفة إن سمير مش هيقدر يشيل مسؤولية تربية بنت لوحده جارة تانية هزت راسها بحزن وقالت يا عيني على البنت الغلبانة. سابها وهرب مريم ضغطت على سنانها بغيظ شالت لبنى براحة بين إيديها بس فجأة البنت جسمها ساب تماما وأغمى عليها فوق كتافها مريم اتكلمت بسرعة في اللاسلكي وطلبت الإسعاف وقالت البنت فاقدة الوعي وشكلها عندها جفاف حاد. واسمعوني كويس.. المنظر ده مش منظر واحد هرب وساب بنته. فيه حاجة تانية حصلت هنا والإسعاف بتجري وسط المطر والبرق الجيران كانوا بدأوا يصوروا فيديوهات وينزلوها على النت وهما بيتهموا سمير إنه وحش ومعندوش قلب ومكنش فيه ولا واحد فيهم يتخيل الحقيقة اللي مستنياهم ورا اختفاء سمير. الحقيقة اللي هتكسر قلب كل واحد في المنطقة دي الجزء التاني والأخير مريم كانت قاعدة في المستشفى جنب سرير لبنى وهي حاسة بنغزة في قلبها. البنت بدأت تفتح عينيها وسألت بصوت واطي هو بابا فين. مريم مكنتش عارفة ترد تقول إيه بس جالها إخطار على اللاسلكي إنهم لقوا جثة راجل في منطقة قريبة من الصيدلية المركزية. مريم سابت لبنى مع الممرضات وجريت على المكان. شافت سمير مرمي في الأرض والكلب بتاعه واقف جنبه مبيفارقوش. لما كشفوا عليه عرفوا الحقيقة اللي مكنتش تخطر على بال حد. سمير وهو رايح يجيب دواء لبنى في عز المطر تعب فجأة ووقع في الأرض. كان معاه روشتة وكيس فيه أكل بسيط وورقة صغيرة كاتب فيها "يا رب اشفي بنتي ومتحرمنيش منها". التقرير الطبي طلع إن سمير جاله أزمة قلبية مفاجئة من كتر الضغط والتعب ومات في مكانه وهو بيحاول يوصل للصيدلية. هو مهربش ولا ساب بنته. هو كان بيعافر لآخر نفس عشان ينقذها بس الم*وت كان أسرع منه. لما الخبر وصل المنطقة الجيران اللي كانوا بيصوروا فيديوهات وبيتهموه بالندالة نكسوا روسهم من الخجل. الست نعمات اللي كانت بتقول عليه مش مسؤول قعدت في الأرض تعيط. الناس اللي شتموه على النت مسحوا البوستات بتاعتهم بس بعد إيه. مريم رجعت المستشفى ومسكت إيد لبنى وقالت لها باباكي بطل يا لبنى. هو محاربش عشان يهرب هو حارب عشان يخليكي تعيشي. لبنى بصت للسقف ودموعها نزلت وقالت أنا كنت عارفة إن بابا عمره ما هيسيبني. هو قالي تلاتين دقيقة وهو عمره ما كذب عليا. المنطقة كلها اتجمعت في جنازة سمير. مش بس عشان يودعوه لكن عشان يطلبوا منه السماح. ولبنى بقت في رعاية مريم اللي قررت إنها مش هتسيب البنت دي أبدا وهتكمل اللي سمير بدأه. الحقيقة المرة إن الحب أحيانا بيكون تمنه غالي قوي بس سمير دفع التمن ده بابتسامة وهو ماسك روشتة دواء بنته في إيده لحد آخر لحظة. تمت بحمد الله