قال لها السيارة ممتلئة ياأمي

لكنني لم أفعل.

لأن الأم… تتعلم الصمت.

— بالطبع — قلت وأنا أومئ ببطء — إذا كانت السيارة ممتلئة، فلا بأس. سأبقى هنا.

ابتسمت. حتى إنني لوّحت بيدي مودّعة، وكأن الأمر طبيعي تمامًا.

نظرت إليّ صوفيا بحيرة لثانية، لكن ماريانا كانت قد بدأت تستعجلها.

— هيا يا ابنتي، سيتأخر الوقت.

لم يقل كارلوس شيئًا آخر. فقط فتح الباب.

وغادروا.

صوت خطواتهم وهم يبتعدون، ضحكاتهم التي خفتت تدريجيًا، صوت محرك السيارة وهو يشتعل… كل شيء بقي معلقًا في الهواء، كصدى يرفض أن يختفي.

وعندما ملأ الصمت البيت أخيرًا، عرفت الحقيقة.

لم تكن المرة الأولى.

ولا الثانية.

لكنها كانت المرة الأولى… التي يؤلمني فيها الأمر بهذه الطريقة.

جلست ببطء على الأريكة. نظرت حولي. كل شيء في مكانه. كل شيء مرتب. كل شيء… غريب عني.

تنفست بعمق، لكن الهواء لم يكن كافيًا.

لم أكن غاضبة.

كنت… فارغة.

نهضت دون تفكير كبير. قادتني خطواتي مباشرة إلى الغرفة. فتحت الخزانة، ووجدت يداي شيئًا لم ألمسه منذ سنوات.

حقيبة قديمة.

نفس الحقيبة التي جئت بها إلى منزل زوجي عام 1985، مليئة بالأحلام، وبالأماني، وبحياة كنت أظن أنها ستدوم إلى الأبد.

وضعتها على السرير.

وفتحتها.

طويت بلوزة. ثم أخرى. كانت حركاتي بطيئة، شبه آلية، وكأن شخصًا آخر يقرر بدلي.

على الطاولة، كانت صورة زوجي تنظر إليّ.

اقتربت منها.

— يا رجل… — همست بابتسامة لم تدم — أعتقد أنني فهمت الآن.

شعرت بعينيّ تمتلئان بالدموع.

— في هذا البيت… لم أعد ذات حاجة.

أغلقت الحقيبة.

وفي اللحظة التي حملتها فيها لأغادر… سمعت صوت مفتاح يُدار في الباب الرئيسي.

جعلني

صوت المفتاح أتجمّد في مكاني.

 

للحظة، ظننت أنه خيالي. أن الصمت يخدعني. لكن لا. انفتح الباب ببطء، ودخل خيط من الضوء… وخطوات مسرعة.

— أمي؟

كان صوت كارلوس.

اضطرب قلبي. ليس فرحًا. بل… ارتباكًا.

شدَدت قبضتي على مقبض الحقيبة. لم أتحرك. لم أدرِ هل أخفيها أم أتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

اقتربت الخطوات.

ثم ظهر عند باب الغرفة.

توقف فجأة.

انخفضت عيناه مباشرة إلى الحقيبة المفتوحة على السرير.

— ما هذا؟ — سأل، عابسًا.

لم يكن صوته غاضبًا. بل كان مرتبكًا، كأنه دخل مكانًا لا يريد أن يكون فيه.

ابتلعت ريقي.

— لا شيء… كنت أرتّب بعض الأمور — أجبت، متجنبة النظر إليه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *