قال لها السيارة ممتلئة ياأمي
صمت.
ثقيل. خانق. كأن كل ثانية أثقل من سابقتها.
أطلق كارلوس ضحكة قصيرة متوترة، من تلك التي لا تحمل أي طرافة.
— أمي، لا تبالغي… خرجنا فقط لتناول الطعام، وليس الأمر—
— لن أنتظر عودتكم — قاطعته بهدوء.
فاجأني صوتي. لم يكن يرتجف.
رفع نظره.
وللمرة الأولى… نظر إليّ حقًا.
— ماذا تقصدين أنك لن تنتظري؟
تنفست بعمق.
— سأغادر، يا كارلوس.
بقيت الكلمات معلّقة بيننا.
بسيطة. واضحة. لا رجعة فيها.
— تغادرين؟ إلى أين؟
كان في صوته الآن شيء آخر. ليس قلقًا… بل دهشة، كأن الفكرة لا تنتمي إلى عالمه.
هززت كتفيّ قليلًا.
— إلى مكان لا أكون فيه عبئًا.
هذه المرة، لم يكن الصمت محرجًا.
بل كان… قاسيًا.
فتح كارلوس فمه، لكن لم تخرج أي كلمة. مرر يده في شعره، وتقدم خطوتين داخل الغرفة، كأنه يبحث عن طريقة لإصلاح الموقف.
— أمي، أنتِ تسيئين فهم كل شيء. الأمر فقط بسبب المساحة، لا أكثر.
أومأت.
— بالطبع. المساحة.
أغلقت الحقيبة بعناية، متأكدة أن كل شيء في مكانه. كان الأمر غريبًا… حياتي كلها كانت داخل تلك الحقيبة.
سنوات من الذكريات اختُزلت في قماش وسحّابات.
— ثم… — تابع بسرعة أكبر — أنتِ تعرفين كيف هي ماريانا… المطعم مزدحم، وصوفيا تصبح مضطربة… أردنا شيئًا هادئًا.
— هادئًا؟ — كررت بهدوء.
نظرت إليه.
— نعم يا بني.
هادئًا جدًا. من دوني.
تنهد كارلوس، وقد بدا عليه الضيق.
— لماذا تجعلين الأمر أكبر مما هو؟
نظرت إليه لحظات. أردت أن أقول الكثير. أردت أن أسأله متى توقف عن رؤيتي، ومتى توقف عن احتياجي.
لكنني بدلًا من ذلك… ابتسمت.
تلك الابتسامة التي تتعلمها الأمهات حين لا يرغبن في الجدال.
— لا أجعله أكبر — قلت بهدوء — أنا فقط أراه بوضوح.
حملت الحقيبة.
تقدم خطوة.
— وماذا عن البقية؟ عن البيت؟ عنا؟
أطلقت ضحكة خفيفة. لا مرارة فيها. ولا سخرية.
بل تعب.
— البيت لك، يا كارلوس. كان دائمًا لك.
خطوت نحو الباب.
— وأنتم… لقد تعلمتم أن تكونوا بخير من دوني.
آلمه ذلك. رأيته في عينيه. لكنه لم يقل شيئًا.
لأنه، في أعماقه… كان يعلم أنه صحيح.
مررت بجانبه. شعرت بحضوره، بتردده، بصمته.
— وإذا حدث لك شيء؟ — تمتم أخيرًا.
توقفت لحظة.
دون أن ألتفت.
— لقد عشت هنا عامين — قلت بهدوء — والشيء الوحيد الذي حدث… أنني توقفت عن الوجود.
خرجت من الغرفة.
كل خطوة نحو الباب الرئيسي كانت أخف. كأن شيئًا في داخلي يتحرر، طبقة بعد طبقة.