الافعى

لم يعد بإمكانها فعل شيء عملي، لكنها لم تخلع السماعة.

فبعد أحد عشر عامًا من استقبال البلاغات، كانت تعرف أن أخطر المكالمات لا تنتهي دائمًا عند إغلاق الخط…

بل أحيانًا تبدأ من هناك.

عند الساعة الثانية فجرًا، عثروا على الأم.

ولم يكن الأمر سهلًا.

كان الرجل قد ادّعى أن زوجته “هجرَت الأطفال” قبل ثلاث سنوات، وأنها غير مستقرة نفسيًا، وأن الطفلين “لا يتذكرانها أصلًا”.

لكن داخل ملف قديم في غرفة الجلوس، وجدوا نسخة من بلاغ عن عنف أسري تم سحبه جزئيًا.

وفي أحد الأدراج، عثروا على دفتر يحتوي على تحويلات مالية متفرقة.

أما داخل هاتف المشتبه به، وبعد تدخل الادعاء، وجدوا رسائل تهديد وصورًا وملفات لم تُرسل أبدًا.

وكان اسم الأم يتكرر كثيرًا:

“منى التلي”.

تم العثور عليها في منزل شقيقتها في الجهة الغربية من المدينة.

وصلت إلى مركز الرعاية المؤقتة وهي ترتدي ملابس منزلية وحذاءً غير مربوط جيدًا، وعلى وجهها ملامح امرأة عاشت سنوات كاملة وهي تنام بالذنب داخل صدرها.

— أين أطفالي؟ سألت قبل أن تدخل بالكامل. أين أطفالي؟

حاولت الأخصائية النفسية “سارة” تهدئتها.

— إنهما بخير… وهما معًا… لكن أريدك أن—

قاطعتها منى بصوت مكسور:

— لا تطلبي مني أن أهدأ…

فقط أخبريني أين هما. 

كانت مريم أول من رآها.

كانت تجلس فوق كرسي أزرق صغير داخل غرفة الرعاية المؤقتة، بينما بطانية رمادية تغطي ساقيها النحيلتين، والأرنب القماشي القديم مستقر كأنه الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا في عالمها المنهار.

كان شعرها مبعثرًا.

وعيناها متعبتين بصورة لا تليق بطفلة في الثامنة.

ومنذ وصولها إلى المركز، لم تترك الباب بعينيها ولو لثانية واحدة.

كأن جزءًا منها ما يزال يتوقع أن يعود الوحش في أي لحظة.

احتاجت مريم إلى ثانية كاملة حتى تتعرف إلى المرأة الواقفة عند المدخل.

ليس لأنها نسيت ملامح أمها…

بل لأن الخوف الطويل علّمها أن تشك حتى في الأشياء الجميلة.

علّمها أن النجاة لا تأتي بسهولة.

وأن الأبواب حين تُفتح… غالبًا يدخل منها الألم.

تحركت شفتاها ببطء شديد.

ثم خرج الصوت ضعيفًا، مترددًا، كأنها تخاف أن ينكسر لو نطقت به بصوت أعلى:

— ماما…؟

تجمدت “منى التلي” في مكانها فورًا.

كأن الكلمة أصابتها في صدرها مباشرة.

اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، ثم وضعت يدها فوق فمها تحاول منع نفسها من الانهيار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *