وقفت اختي
وقفت أختي في قاعة المحكمة بابتسامة واثقة مليئة بالغرور وقالت:
«أخيرًا… هذا البيت أصبح ملكي.»
صفّق والدَيّ بفخر، وكأنهما يشاهدان “ابنتهما الذهبية” وهي تستولي على ما ظنّا أنه آخر ما أملكه.
لم أقل شيئًا.
ثم رفع القاضي الأوراق، وألقى نظرة سريعة فوق نظارته، وقال بهدوء:
«أفهم… هذه واحدة من 12 عقارًا في محفظتك العقارية؟»
في لحظة واحدة فقط… اختفت الابتسامة من وجوههم.
—
أول ما لاحظته داخل قاعة المحكمة كان رائحة ملمّع الخشب القديم.
ليس رائحة العدالة، ولا الخوف، ولا حتى رائحة القهوة المُرّة التي كانت تفوح من المحامي الجالس على بُعد مقعدين مني.
فقط خشب، وغبار، ورائحة المطر الخفيف الذي جفّ على المعاطف الصوفية.
كان قد هطل صباحًا، ودخل نصف الحاضرين بملابس مـ,ـبللة ومظلات تقطر تحت المقاعد مثل ساعات صغيرة صامتة.
جلست أختي “نجلاء” أمامي ببدلة بلون كريمي باهظ الثمن، ربما أغلى من أول سيارة اشتريتها في حياتي.
كانت دائمًا تعرف كيف تبدو رقيقة… عندما تريد شيئًا قاسيًا.
شعرها الأشقر مرفوع بدقة في كعكة منخفضة.
أقراط لؤلؤ. أحمر شفاه وردي باهت.
يداها مطويتان في حجرها كأنها قضت حياتها كلها في الدعاء لا في الأخذ.
وبجانبها، جلس زوجها “كريم فؤاد”، مستندًا للخلف وكأن المحكمة ملك له.
انحنى نحوي قبل بدء الجلسة وهمس:
«لعبتك الصغيرة في العقارات تنتهي هنا.»
مرّ بجانبي قريبًا لدرجة أني شممت عطره الباهظ… رائحة خشب الأرز ممزوجة بشيء سام.
ثم ابتسم وكأنه قدّم لي هدية تافهة.
لم أجب.
هناك لحظات… الصمت فيها ليس ضعفًا، بل باب مُغلق بإحكام.
—
دخلت القاضية “إليانور براون” مرتدية رداءها الأسود الذي يتحرك كظل ثقيل.
وقف الجميع.
ورائي سُمِع صوت أساور أمي وهي تتحرك.
وأبي يصفّي حلقه بصوت أعلى من اللازم.
حتى دون أن ألتفت، كنت أراهم بوضوح:
“عبدالعزيز حسن” بوجه متجهم يمتلئ يقينًا مـ,ـزيفًا، و”منى” وهي تمسك حقيبتها بكلتا يديها وكأن الأخلاق ستسقط إن تركتها.
جاؤوا لمشاهدة نجلاء وهي تفوز.
هكذا كانوا يرون الأمر.
ليس نزاعًا قانونيًا… بل “تصحيحًا”.
إعادة التوازن داخل العائلة.
نجلاء لديها زوج، وطفلان، وصور عيد ميلاد مرتبة، وبيت في الضواحي، وصديقات يستخدمن كلمة “مبارك” كعطر دائم.
أما أنا، فأبلغ 34 عامًا، غير متزوجة، و”صعبة” في نظرهم.