فرامل عربيتي ٢

أما طنط هدى، فحطت إيدها على بؤها وبدأت تبكي بصوت مكتوم وهي بتهز راسها:

“مش ممكن.. مش ممكن شريف يعمل كده! ده ابني؟ ده شريف اللي كنت بخاف عليه من الهوا؟ عايز يموّت مراته؟ يقتل روح؟”

حمايا قام وقف على رجليه، وجسمه كله بيترعش، وبص لي وعينيه مليانة دموع وعجز عمري ما شفته في راجل بسنّه:

“هو قال كده يا منة؟ شريف عمل كده فيكي؟ في عرضنا وبيتنا؟ عشان إيه؟ عشان مين؟”

“عشان الخيانة يا بابا..” رديت وأنا بنزل عيني الأرض، “بقى له تلات شهور متجوز عليا أو بيمهد يخلص مني عشان ياخد الشقة والعربية وكل حاجة من غير ما يدفع مليم، وتبقى الحادثة قضاء وقدر.”

وقبل ما حد فينا ينطق بكلمة تانية، تليفوني رن. المرة دي الرقم مكنش شريف.. كان رقم غريب.

رديت وقلبي مقبوض: “ألو؟”

“أيوة.. حضرتك مدام منة؟ زوجة الأستاذ شريف مصطفى؟”

“أيوة أنا، خير؟”

“أنا من مستشفى البنك الأهلي.. جوز حضرتك عمل حادثة تصادم ضخمة على الطريق الدائري وهو سايق بسرعة جنونية، وعربيته اتقلبت كذا قلبة.. حالته خطيرة جداً وهو حالياً في غرفة العمليات بين الحيا والموت، ومحتاجين حد من الدرجة الأولى فوراً يوقع على إقرار عملية حرجة.”

بصيت لحمايا وحماتي اللي كانوا باصين لي ودموعهم مغرقة وشهم، مابين صدمتهم في ابنهم المجرم، ومابين غريزة الأب والأم اللي سمعوا إن ابنهم بيموت.

مسكت المفاتيح وقولت لحمايا بصوت حاسم:

“يلا يا بابا.. يلا يا ماما.. هنروح المستشفى، بس مش عشان ننقذه.. عشان نخليه يعيش ويشوف الحساب اللي مستنيه.”

طول الطريق للمستشفى، الميكروباص اللي ركبناه كان غرقان في سكوت قاتل. عم مصطفى كان باصص من الشباك وعينيه زايغة، إيديه بتتجعد وتترعش فوق ركبه كأنه كبر عشرين سنة في ثواني. وطنط هدى كانت ماسكة سبحتها، شفايفها بتحرك بدعاء مش مسموع، ودموعها بتنزل في صمت يقطع القلب.

أنا مكنتش حاسة بحاجة.. مكنتش عياط، ومكنتش شماتة. كان جوايا برود رهيب، كأن الروح اللي جوايا اتجمدت من فرط الصدمة. الراجل اللي نمت جنبه تلات سنين، طلع كابوس مخيف.

أول ما وصلنا المستشفى، الريحة بتاعة المعقمات والضوضاء وحركة الممرضين خلتني أقول لنفسي: “الدنيا دي غريبة قوي.. من ساعة واحدة كنت واقفة في مطبخي بعمل قهوة، ودلوقتي أنا واقفة مستنية مصير قاتلي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *