فرامل عربيتي ٢

قربنا من مكتب الاستقبال، حمايا سأل بصوت شرخ من الحزن:

“ابني.. شريف مصطفى اللي جه في حادثة الدائري؟”

موظف الاستقبال بص في الدفتر ورفع عينه لينا:

“أستاذ شريف في العناية المركزة في الدور الثالث، خرج من العمليات من شوية.. بس حالته حرجة جداً.”

طلعنا السلم، طنط هدى كانت بتسند على كتفي وهي مش قادرة تشيل طولها. أول ما وصلنا الدور الثالث، لقينا دكتور خارج من العناية، جرينا عليه. عم مصطفى سأله ولهفته كأب غلبت كل حاجة:

“طمنا يا دكتور.. ابني عايش؟”

الدكتور قلع النظارة وتنهد بتعب:

“الحمد لله، النزيف الداخلي قدرنا نسيطر عليه، بس عنده كسر مضاعف في الحوض والعمود الفقري، وارتجاج شديد. هو فاق من البنج لسه مفيش دقايق.. بس لسه في مرحلة الخطر. تقدروا تدخلوا تشوفوه دقيقة واحدة.. بس بلاش انفعال.”

حمايا بص لي، وعينيه كانت بتقول كلام كتير.. عتاب، خجل، وانكسار. هزيت راسي وقولت له: “ادخلوا أنتوا الأول يا بابا.”

دخل عم مصطفى وطنط هدى، ووقفت أنا ورا زجاج الأوضة أشوف المشهد.

شريف كان متوصل بأجهزة كتير، وشه كله كدمات وجروح، وعينيه مفتوحة بالعافية. أول ما شاف أبوه وأمه داخلين عليه، عينيه لمعت بدموع الخوف، وبدأ شفايفه تتحرك بضعف وهما بيقربوا منه:

“بابا.. أمي.. أنتوا.. أنتوا كويسين؟”

عم مصطفى وقف فوق راسه، ومادش إيده يلمسه. ملامحه الحنينة اتقلبت لجمود وقسوة عمري ما شفتها فيه. بص لابنه وقال بصوت واطي ومزلزل:

“إحنا كويسين يا شريف.. ربنا نجانا من غدرك. نجانا من خيانتك لبيتك وللبنت اللي ائتمنتك على عمرها.”

شريف اتصدم، وبدأ يبص حواليه برعب لحد ما عينه جت عليا وأنا واقفة ورا الزجاج باصة له بثبات. فهم إن كل حاجة اتكشفت. حاول يتحرك وصوت الأجهزة بدأ يعلى وهو بيصرخ بضعف وألم:

“يا بابا.. سامحني.. أنا اتعميت.. الشيطان ضحك عليا.. منة.. خلي منة تسامحني!”

طنط هدى بكت بحرقة وقالت وهي بتبعد عنه:

“تتسامح على إيه ولا إيه؟ كنت عايز تموتها؟ وكنت هتموتنا معاها؟ يا خسارة تربيتي فيك يا شريف.. يا خسارة شقا أبوك عليك.”

حمايا شد مراته من إيدها ولف ضهره لابنه وقال بجفاء:

“أنا معنديش عيال ماتوا في حادثة.. أنا ابني مات من زمان لما رضي بالندالة والخيانة. يلا يا هدى.”

خرجوا من الأوضة، وشريف جوه كان عمال يعيط ويصرخ والأطباء دخلوا جري عشان يهدوا ضربات قلبه اللي بدأت تزيد لدرجة خطيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *