أمينة _ محمد نور

الجزء الأول

​في الثامنة والخمسين من عمره، عاد سليمان الناصر إلى قصره الموحش في حي “النخيل” الراقي، متوقعًا أن يجد غرفة أخرى فارغة، وفاتورة جديدة غير مدفوعة، ودليلًا آخر على أن الجميع قد تخلوا عنه.

​لكن حين فتح باب غرفة الضيوف، تسمّر في مكانه من الهول.

​على السرير كانت ترقد رُزمٌ لا تُحصى من الأموال النقدية، وكشوفات حسابات بنكية، وعقود، ووحدات تخزين رقمية (USB)، وصناديق مليئة بالوثائق. وفي منتصف كل هذا المشهد، كانت تقف أمينة، الخادمة التي عملت لديه سنوات، ترتدي قفازين ووجهها شاحب كالموتى.

​سألها سليمان وهو يتشبث بإطار الباب لكي لا يسقط:

— «ماذا فعلتِ يا أمينة؟»

​فنظرت إليه بثبات وقالت:

— «هذه الأموال كلها ملكك يا أستاذ سليمان..»

​قبل عام واحد فقط، كان اسم “سليمان الناصر” يفتح أعتى الأبواب المغلقة في البلاد. كان يتسابق كبار رجال الأعمال والمسؤولين لالتقاط الصور معه، ويتزاحمون للجلوس على طاولته، بل ويتضاحكون على أتفه دعاباته وكأنها أروع ما سمعوا.

​ثم انهارت إمبراطوريته كأحجار الدومينو.

​اختفى شركاؤه الثلاثة الكبار بعدما هربوا بالملايين عبر عقود مبالغ فيها، وتراخيص مزورة، وشركات وهمية. انهالت عليه القضايا أولًا، ثم جُمدت أرصدته البنكية، وأخيرًا أصبحت النشرات الإخبارية تتداول اسمه مقترنًا بكلمات مثل: النصب، الفساد، والإفلاس.

​تم التحفظ على سياراته الفارهة، وباع فيلته الشاطئية، وشقته في العاصمة، وحتى يخته الشخصي.

​أما زوجته داليا، فلم تصمد معه سوى أسبوعين اثنين فقط، ثم غادرت القصر محملة بمجوهراتها وحقائبها، برفقة محامٍ متخصص في قضايا الطلاق.

​وحدها الجدران وأمينة من بقيا.

​على مدار خمسة عشر عامًا، كانت أمينة تنظف القصر في صمت دون أن تُحدث جلبة، تطبخ، وتسقي النباتات، وتتظاهر بأنه لا يصل إلى مسامعها صوت بكاء سليمان وهو يحبس نفسه في مكتبي المغلق.

​وفي صباح أحد الأيام، اعترف لها وهو ينظر إلى فنجان قهوته الباردة بأنه لم يعد قادرًا على دفع راتبها:

— «اذهبي يا أمينة قبل أن تضيعي وقتكِ هنا.. أنا مدين لكِ براتب أربعة أشهر.»

​وضعت أمينة الطبق على الطاولة بهدوء وقالت:

— «أنا أعرف أين يجب أن أكون.»

— «هنا؟ مع رجل عجوز مُفلس وخائب؟»

— «بالأخص هنا يا سيدي.. لأنه عندما ينهار البيت، لا بد لشخص ما أن يبحث بين الأنقاض.»

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *