قطة توقظ صاحبتها كل ليلة

نظرتُ من خلال شبك الحقيبة، فاستقبلتني عينان مستديرتان كبيرتان تتأملان المكان بذكاء. خرجت لونا؛ قطة رمادية مهيبة، بفراء كثيف وناعم كالحرير، وجلست على الطاولة بهدوء غريب. لم تكن هناك أي علامة من علامات الخوف، ولا فحيح، ولا عدوانية، بل كانت نظراتها مستقرة وهادئة تماماً.

جلستُ أمامهما وسألتها باهتمام:

— “حسناً يا سيدة أنا، اشرحي لي بالتفصيل، ما الذي تفعله لونا بالضبط في الليل؟”

أخذت “أنا” نفساً عميقاً، وكأنها تستجمع قواها لتذكر تلك الليالي القاسية، وقالت:

— “الأمر يتكرر كالساعة، كل ليلة دون استثناء، في تمام الساعة الثالثة أو الرابعة فجراً، يبدأ الكابوس. أكون غارقة في نوم عميق، وفجأة أشعر بكفها الصغير يضرب خدي برفق. في البداية، كنت أتجاهلها وأدير وجهي للجهة الأخرى ظناً مني أنها تريد اللعب. لكن لونا لا تستسلم؛ إن لم أستجب لها فوراً، تبدأ بالضرب بقوة أكبر وأقسى على وجهي، وتطلق مواءً حاداً ومتواصلاً يمزق هدوء الغرفة. وإذا استمررت في تجاهلها، تصل الأمور إلى أن تعض يدي بقوة، وتبدأ بسحب الغطاء عني بعنف مريب! لا تهدأ لونا، ولا تتوقف عن هذا الهجوم الشرس حتى أجبر نفسي على النهوض ومغادرة السرير تماماً، وأتوجه مستسلمة للنوم على الأريكة في غرفة المعيشة… والغريب في الأمر، أنه بمجرد أن أترك السرير وأخرج، تهدأ لونا فوراً، وتصعد لتستلقي مكان رأسي على وسادتي، وتنام في سلام حتى الصباح!”

سألتها وأنا أعقد حاجبيّ بفضول:

— “ومنذ متى وبدأ هذا السلوك الغريب بالظهور عليها؟”

تنهدت بحسرة وأجابت:

— “منذ حوالي ثلاثة أشهر. في الأسابيع الأولى، ظننت أن طباعها ساءت فجأة أو أنها أصبحت أنانية وتريد السرير لنفسها. لكن مع استمرار الأمر وتدهور صحتي، اعتقدت أن العيب فيّ أنا، وأنني ربما أعيش حالة من الوهم والتوتر. ذهبتُ إلى طبيب نفسي، وشرحت له حالتي، فأخبرني أنني أعاني من أرق حاد ناتج عن ضغوط الحياة وتراكم التوتر، ووصف لي حبوباً مهدئة ومنومة قوية… لكنني حتى لو تناولت المهدئ، كانت لونا توقظني بذات العنف، ولم يتحسن وضعي أبداً، بل زاد إرهاقي.”

أثناء حديثها، كانت لونا تجلس بوقار شديد بجانب صاحبتها، ولم ترفع عينيها الذهبيتين عن وجه “أنا” وكأنها تفهم كل كلمة تقال.

بدأتُ بفحص لونا بدقة؛ وضعت السماعة على صدرها، فكانت دقات قلبها منتظمة ومثالية، وفحصت تنفسها فكان صافياً تماماً، وعظامها وعضلاتها ووزنها كلوحة فنية لحيوان سليم. لونا كانت قطة معافاة بنسبة 100% ولا تعاني من أي خطب طبي أو خلل سلوكي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *