بعد اسبوعين بس من الولادة
— “مراتي كانت مش قادرة تتحرك!”
سكت البيت كله.
حتى مريم بصتله بصدمة.
— “وأنا كنت بقول عليها بتمثل.”
صوته اتكسر في آخر الجملة.
لف ناحية مريم.
وشالها بين إيديه.
ونزل بيها المستشفى فورًا.
بعد ساعات من الأشعات والفحوصات…
دخل الدكتور.
وشه جاد.
وقال:
— “الحمد لله إنكم جيتوا دلوقتي.”
كريم بلع ريقه.
— “في إيه؟”
الدكتور بص لمريم.
ثم قال:
— “عندها مضاعفات عصبية بعد الولادة وضغط شديد على أحد الأعصاب.”
ثم كمل:
— “لو كانت استنت أكتر، كان ممكن يحصل ضعف دائم في الحركة.”
كريم حس الأرض بتتهز تحته.
ضعف دائم.
وهو كان بيسميه دلع.
خرج
من الأوضة.
وقعد لوحده في الممر.
ودفّن وشه بين إيديه.
لأول مرة فهم حجم اللي عمله.
مراته ما كانتش محتاجة مسكن.
ولا نصيحة.
كانت محتاجة حد يصدقها.
بس.
بعد أيام من العلاج والرعاية…
بدأت مريم تتحسن.
ببطء.
لكنها كانت بتتحسن.
أما العلاقة بينهم؟
فكانت أصعب.
لأن الجسد بيتعالج أسرع من القلب.
في ليلة بالمستشفى، كريم قعد جنب سريرها.
وقال بصوت واطي:
— “أنا آسف.”
سكتت.
فكمل:
— “مش آسف عشان غلطت مرة.”
دموعه نزلت.
— “آسف عشان كل مرة طلبتي مساعدتي وما سمعتكيش.”
مريم بصت له طويل.
ثم قالت:
— “أكتر حاجة وجعتني مش الألم.”
— “إيه؟”
— “إني كنت خايفة… وأنت خليتني أحس إني لوحدي.”
الكلمة وجعته أكتر من أي حاجة.
بعد شهور…
رجعت مريم تمشي طبيعي.
وترجع تضحك.
وتشيل بنتها من غير وجع.
لكن كريم عمره ما نسي مشهد الكاميرا.
مراته وهي بتقع.
وتحمي بنتها قبل نفسها.
وعمره ما نسي الجملة اللي كانت بترددها.
“صدقني… أنا بتوجع.”
ومن يومها اتعلم درس عمره ما نسيه:
أحيانًا أقوى شخص في البيت هو أكتر واحد بيتألم في صمت.
وأحيانًا كلمة “أنا تعبان” ما بتحتاجش نقاش أو مقارنة أو تشكيك…
بتحتاج بس إن حد
يسمعها ويصدقها.
مرت سنة كاملة بعد اللي حصل.
بنتهم الصغيرة بدأت تمشي أول خطواتها.
والشقة اللي كانت مليانة توتر وبكاء بقت أهدى بكتير.
لكن في حاجات عمرها ما بتختفي تمامًا.
كل ما كريم يبص لمريم وهي شايلة بنتهم…
كان يفتكر اليوم اللي شافها فيه واقعة على الأرض من خلال الكاميرا.
وكل ما يفتكر…
يحس بوخزة ندم.
لأن الحقيقة كانت قدامه من البداية.
في عينيها.
في دموعها.
في رجفتها وهي بتطلب المساعدة.
وهو اختار يصدق غيرها.
في يوم جمعة، كانت مريم قاعدة في البلكونة تشرب شاي بعد ما نامت البنت.