ام تنقذ ابنتها

​قربت منها، وقفت فوق راسها بالظبط، وقلت لها بصوت واطي وواضح:

“شقا عمرك ضاع عشان بنتي دموعها غالية.. إنتي قلتي لي إن رتبتي مش هتخوفك.. وأنا أثبتلك إن رتبتي مش عشان أخوفك بيها، رتبتي عشان أجيب بيها حق المظلوم من عيون الظالم. اشربي بقى من نفس الكأس.”

​لفيت ضهري وخرجت من المكتب، وصوت بيادتي العسكرية بيرن في الممر، وورانا صوت عياطهم وندمهم اللي جه متأخر قوي.

​رجعت البيت، فتحت باب أوضة أمل.. لقيتها قاعدة في السرير، الشمس داخلة من الشباك ومنورة وشها، ولأول مرة من سنة كاملة.. شوفت ضحكتها الصافية الحقيقية وهي بتقولي: “حمد الله على السلامة يا سيادة اللواء.. يا أحلى وأقوى أم في الدنيا.”

​ابتسمت، وأخدتها في حضني وأنا عارفة إن الدرس انتهى.. وإن عيلة زهران مش مجرد خسرت قضية، دول اتعلموا بالطريقة الصعبة إن في أمهات.. الغلط معاهم بيمحي عائلات من الخريطة.

 

عدى أسبوع كامل على اليوم ده.

​أسبوع كانت الأخبار فيه في كل مكان بتتكلم عن سقوط “إمبراطورية زهران”. الجرايد وبرامج التوك شو مكنش وراهم غير قضية حبس رجالة العيلة، والتحقيقات اللي كشفت بلاوي تانية تشيب الراس؛ من تهرب ضريبي لصفقات مشبوهة، وكله تحت غطاء “النفوذ” اللي انهار في ثواني قدام كلمة “قانون”.

​في الصالون عندنا، كانت أمل قاعدة ووشها بدأ يرد فيه الدم والنور تاني. المحامي بتاعنا كان قاعد قدامنا وحاطط ورقة على الترابيزة.

​”سيادة اللواء، دي قسيمة الطلاق.. طلاق رسمي بائن، وبكل الحقوق والمؤخر والتعويض اللي حكمت بيه المحكمة إجبارياً بعد ما ثبت الضرر والاعتداء.”

​أمل بصت للورقة، ودمعة واحدة نزلت من عينها، بس المرة دي مكنتش دمعة قهر.. كانت دمعة حرية. رفعت راسها وبصتلي: “أنا مش مصدقة يا ماما.. أنا كنت فاكرة إني هفضل محبوسة في الكابوس ده طول عمري.”

​طبطبت على كتفها وقلت لها: “مفيش كابوس بيقعد يا قلب أمك، طول ما في رب اسمه العدل، وطول ما ضهرك فيه أم مبتخافش غير من اللي خلقها.”

​في نفس اليوم بالليل، تليفوني رن. الرقم كان غريب بس خمنت مين اللي بيتصل. فتحت الخط وجالي صوت “ماجدة زهران”.

​صوتها كان رايح، مكسور، ومفيهوش نبرة التناكة والتعالي بتاعة زمان. كانت بتعيط وبتتكلم بنهجان:

“فايزة هانم.. أرجوكي.. أنا بكلمك كأم لأم. إياد وباهر اتجدد لهم حبس 15 يوم، والشركات كلها اتقفلت والبنك حجز على أرصدتنا.. إحنا بنتدمر.. أبوس إيدك كفاية كده، إحنا خسرنا كل حاجة.. بنتك اتطلقت وأخدت كل اللي عايزاه، سيبيلنا الباقي نعيش بيه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *