نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة. لم أشعر بالحنين. شعرت بالارتياح. حملت حقيبتي بيد، ووضعت حقيبة الظهر على كتفي. كانت أم خالد أول من رأتني. وش هذا؟ رفع خالد رأسه من مجلس الصالة. وإلى وين رايحة برأيك؟ ابتسمت من جديد. كنت أفكر في كلامك. معك حق يا خالد. ما يصير أعيش مجانًا في بيتكم. هدأت ملامحه قليلًا، ظانًا أنني على وشك الاعتذار. زين، على الأقل فهمتِ. قلت عشان كذا أنا راح أمشي. ما راح أستهلك أكلكم، ولا مويتكم، ولا حتى هواءكم. فتحت أم خالد فمها بدهشة. وش قلتي؟ قلت إني ما عاد أسكن هنا. اقترب خالد وعيناه تمتلئان بالغضب. سارة، لا تسوين دراما. كان مجرد درس بسيط. هززت رأسي. لا يا خالد. ما كان درسًا. كان تعريفًا. للتو عرّفتني على الرجل اللي تزوجته. وأشكرك إنك سويت هذا بسرعة. حاول أن يمسك بذراعي، لكنني ابتعدت خطوة. إذا طلعتي من هذا الباب، لا تفكرين ترجعين مرة ثانية. قالها بنبرة تهديد. ابتسمت. ممتاز. واضح أننا متفقين. فتحت الباب. وقبل أن أغادر، التفت إليهما. على فكرة، ما غسلت الصحون. الفوطة موجودة فوق الرخامة. وأنصحكم تعقمونها زين. رمي الأشياء المتسخة في وجه الناس عادة غير صحية أبدًا. ثم أغلقت الباب خلفي. سمعت في الداخل صوت ارتطام قوي، ثم صراخ خالد، ثم صوت أم خالد الحاد وهي تصفني بالجحود. لكن الباب كان قد أُغلق. ولأول مرة منذ ليلة الزفاف، شعرت أن الهواء نظيف. سرت حتى الشارع الرئيسي بينما كانت الحقيبة تتدحرج خلفي. كانت شمس الرياض حارة وقوية. لكنني لم أهتم. أخرجت هاتفي. وجدت عدة مكالمات من خالد قبل أن أصل حتى إلى نهاية الشارع. حظرته فورًا. ثم اتصلت بأمي. هلا يا بنتي؟ كيف أول صباح لك في بيتك الجديد؟ اهتز صوتي قليلًا. لكنني تماسكت. يمه... أنا جاية لكم. ساد الصمت. وش صار؟ أخذت نفسًا عميقًا. بطلب الطلاق. لم تصرخ أمي. ولم تسأل عن التفاصيل. قالت فقط بيتك موجود. وأبوك طالع يجيب فطور. بس أوصلي. عندها فقط بكيت. لم أبكِ على خالد. بكيت لأنني أدركت أنني لست وحدي. لكن قبل أن أذهب إلى منزل أهلي، اتصلت بأفضل صديقاتي، نوف. كانت تسكن في شقة قريبة من طريق الملك عبدالله، وتملك لسانًا صريحًا لا يعرف المجاملة. نوف، أقدر أجلس عندك كم يوم؟ وينك الحين؟ طلعت من بيت خالد. قالت فورًا أرسلي موقعك. ولا تتحركين من مكانك. بعد عشرين دقيقة وصلت بسيارتها البيضاء بسرعة وكأنها ذاهبة لإنقاذ شخص من كارثة. وما إن رأتني حتى نزلت مسرعة. ضربك؟ لا. سكتُّ لحظة. رمى فوطة مطبخ متسخة على وجهي وقال إني من اليوم خادمة عندهم. تجمدت نوف في مكانها. ثم قالت اركبي السيارة بسرعة. إذا بقيت دقيقة زيادة هنا بروح أكسر أسنانه. في شقتها، استحممت لما يقارب نصف ساعة. تركت الماء الساخن يزيل رائحة الدهون. ويغسل عني الإهانة. ويأخذ معه ذلك المشهد كاملًا. عندما خرجت، كانت نوف قد طلبت عشاءً جاهزًا، وعصيرًا باردًا، وقطعة حلوى بالشوكولاتة. رفعت كوبها وقالت احتفالًا بأسرع طلاق في التاريخ. زواجك ما طول قد عرض تخفيضات، لكن على الأقل طلعتي سالمة. ضحكت لأول مرة ذلك اليوم. ثم أخبرتها بكل شيء. كل التفاصيل. كل التعليقات التي كانت أم خالد تقولها أثناء فترة الخطوبة على شكل نصائح. كيف كانت تردد أن الزوجة الصالحة لا تحتاج إلى العمل كثيرًا. وأن الرجل يجب أن يشعر أنه الملك داخل منزله. وأن راتبي كمصممة جرافيك شيء جميل، لكنه ليس ضروريًا. أما خالد، فقد أقنعني قبل الزواج بأشهر أن أترك عملي لبعض الوقت حتى أرتاح وأجهز بيتنا الجديد. الآن فقط فهمت الخطة كاملة. هو لم يكن يريد زوجة. كان يريد موظفة بلا راتب. أعطتني نوف رقم محامٍ متخصص في قضايا الأحوال الشخصية. الأستاذ ماجد السبيعي. أرسلت له رسالة في نفس اليوم. فرد بسرعة وبشكل مباشر. طلب مني ألا أعود إلى المنزل. وأن أحتفظ بأي رسائل تهديد. وألا أبقى بمفردي مع خالد. وأن أوثق أي محاولة مضايقة. وكأن خالد سمع نصيحته. فقد بدأ يتصل من أرقام مجهولة. رددت على إحدى المكالمات. سارة، بطلي تمثيل دور الضحية. قالها بغضب. ارجعي للبيت واعتذري. أمي غاضبة جدًا. قلت بهدوء الله يعين أمك. لا تلعبي معي. إذا ما رجعتي، بقول للناس كلها إنك وأهلك أخذتوا فلوسنا. قل اللي تبي. ثم أضفت وأنا بقول إنك رميت فوطة متسخة في وجهي أول يوم بعد زواجنا. سكت. ثم قال ما صار بالشكل اللي تقولينه. ممتاز. نخلي المحكمة تقرر. راح تندمين. قلت شكرًا على التهديد يا خالد. المكالمة مسجلة. ثم أغلقت الخط. نظرت إليّ نوف بفخر. والله إني ما عرفتك اليوم. عجبتيني. في تلك الليلة نفسها، ذهب خالد ووالداه إلى منزل أهلي. اتصل بي أبي بعد ذلك بوقت قصير. جوا وهم يصارخون. قالها بهدوء. وحاولت أم خالد تدخل البيت بالقوة. واضطريت أتصل بالشرطة. أغمضت عيني. آسفة يا يبه. رد فورًا لا تعتذرين لأنك دافعتِ عن نفسك. اللي لازم يعتذر هو هذا الولد. ثم أخذت أمي الهاتف. يا بنتي، أبوك ركب كاميرات عند الباب. وإذا رجعوا مرة ثانية بينصورهم النظام كله. لا تشيلين همنا. هززت رأسي رغم أنهم لا يرونني. أحبكم. وإحنا نحبك أكثر. ثم أضافت وتذكري زين... المرأة ما تفشل إذا تركت مكانًا يهينها. الفشل الحقيقي إنها تبقى فيه خوفًا من كلام الناس. رافقتني تلك الجملة طوال الليل. في اليوم التالي بدأت أبحث عن شقة خاصة بي. لم أرد أن أسبب أي مشكلة لنوف. إذا كان خالد قد عرف عنوان منزل أهلي بهذه السرعة، فمن الممكن أن يصل إلى صديقاتي أيضًا. استأجرت شقة صغيرة داخل مجمع سكني مزود بحراسة وأمن على مدار الساعة في شمال الرياض. كان الإيجار مرتفعًا قليلًا. لكن الشعور بالأمان كان يستحق ذلك. في ذلك المساء رتبت ملابسي داخل خزانة تخصني وحدي. لم يكن هناك أحد يراقب خطواتي. ولا أصوات مرتفعة. ولا صحون متسخة تنتظرني وكأنها حكم صادر بحقي. كان هناك شيء واحد فقط. الهدوء. وفي ذلك الهدوء أخذت نفسًا عميقًا. ثم جلست أمام حاسوبي وحدثت سيرتي الذاتية. قبل أن أترك عملي كنت أعمل مصممة جرافيك في شركة تسويق صغيرة. كنت أملك سجل أعمال جيدًا. وتوصيات ممتازة. ورغبة أكبر من أي وقت مضى لأثبت لنفسي أنني قادرة على النهوض من جديد. في صباح اليوم التالي تلقيت اتصالًا من استوديو تصميم معروف في الرياض. كانوا يريدون إجراء مقابلة عمل معي. ذهبت مرتدية بنطالًا أسود وقميصًا أبيض، وربطت شعري بعناية. استقبلتني المديرة التنفيذية للشركة، الأستاذة ريم الشمري. تصفحت ملف أعمالي باهتمام. ثم قالت عندك حس ممتاز في الألوان والتصميم. رفعت نظرها نحوي. لكني ألاحظ وجود عدة أشهر بدون عمل. وش السبب؟ فكرت للحظة. ثم قررت ألا أكذب. قلت كنت على وشك بدء حياة زوجية جديدة. وتركت عملي بناءً على وعود اكتشفت لاحقًا أنها غير حقيقية. والآن أحتاج أن أبدأ من جديد. ظلت تنظر إليّ عدة ثوانٍ. ثم سألت وهل راح يأثر هذا على عملك؟ ابتسمت. بالعكس. راح يعطيني دافعًا أكبر. ابتسمت هي الأخرى. وأغلقت الملف أمامها. تباشرين معنا يوم الأحد. خرجت من المبنى وأنا أحمل عرض عمل جديدًا. وشقة خاصة. ومحاميًا يتابع قضيتي. قبل ثلاثة أيام فقط، كانت فوطة متسخة ترتطم بوجهي. أما الآن، فقد أصبح لدي طريق واضح أمشي فيه. لكن خالد... كان يفقد السيطرة يومًا بعد يوم. إحدى قريباته، وتدعى الجوهرة، ذهبت إلى المبنى الذي تسكن فيه نوف. وقفت عند المدخل تصرخ أمام الجميع وتتهمني بأنني نصابة. اتصلت نوف بالأمن. ثم حضرت الشرطة. وقام بعض السكان بتصوير ما حدث. وبدأت رواية عائلة القحطاني تنتشر بين الناس. عروس طماعة تترك زوجها بعد يوم واحد من الزواج وتأخذ المال معها. لكنهم ارتكبوا خطأ كبيرًا. فالناس بدأوا يسألون سؤالًا واحدًا لماذا غادرت في اليوم التالي مباشرة؟ حينها كتبت نوف، بعد أن أخذت إذني، عبارة قصيرة عبر حسابها. قالت لا تترك امرأة زواجها بعد يوم واحد من باب المزاج. أحيانًا ترحل لأن الجحيم بدأ منذ اليوم الأول. لم تذكر أسماء. ولم تعرض صورًا. لكن من يعرف القصة فهم المقصود. وبدأت الضغوط تتجه نحو خالد. بعد أيام قليلة، حدد الأستاذ ماجد السبيعي موعدًا لاجتماع رسمي مع خالد ومحاميه في أحد المقاهي المعروفة وسط الرياض. مكان عام. وكاميرات في كل زاوية. حضرت برفقة ابن عمي فيصل. كان مدربًا رياضيًا ضخم البنية. جلس على طاولة بعيدة. لم يتدخل بشيء. لكن مجرد وجوده كان كافيًا ليخفض خالد صوته. وصل خالد. وبرفقته والدته. جلست أم خالد دون أن تلقي السلام. ثم قالت مباشرة يلا يا سارة. خلاص كفاية دلع ومشاكل. رفع الأستاذ ماجد يده. يا أم خالد، الاجتماع بين الأطراف القانونية فقط. إذا استمريتِ بالمقاطعة سأطلب منك المغادرة. ردت بغضب أنا حماتها. فقلت بهدوء قريبًا ما راح تكونين كذلك. شد خالد فكه بعصبية. ثم قال أبي فلوسي. نظرت إليه بثبات. مو فلوسك. فلوس عائلتي. المبلغ قُدم دعمًا للزواج. وأهلي استلموه وسلموه لي. بالإضافة إلى مبلغ آخر أضافه والداي من مالهم الخاص. وإذا كنت تبي تطالب بشيء، عندك الطرق النظامية. قال بعصبية إذًا أعيدي لنا اللي دفعناه. فكرت لحظة. ثم قلت ممكن. ساد الصمت. حتى أم خالد بدت متفاجئة. أكملت لكن عندي ثلاثة شروط. وش هي؟ طلاق فوري. ثم رفعت إصبعًا ثانيًا. عدم التواصل معي نهائيًا. ورفعت الثالث. واعتذار مكتوب تعترف فيه بالإهانة والتهديدات اللي صدرت منك. انفجرت أم خالد ضاحكة بسخرية. اعتذار؟ عشان فوطة؟ فتح الأستاذ ماجد ملفًا كان أمامه. ثم قال عندنا تسجيلات للمكالمات. وصور. وشهادات من سكان المبنى. وتقارير أمنية. ومحضر زيارة الشرطة لمنزل والدي موكلتي. وإذا حابين نحول الموضوع إلى قضية كاملة، فممكن نتحدث أيضًا عن الأذى النفسي والإساءة الأسرية والإجراءات القانونية الأخرى. التفت محامي خالد إليه. وهمس له ببضع كلمات. وفجأة شحب وجه خالد. قال بسرعة أنا ما ضربتها. نظرت إليه. مو لازم تكسر عظمة في جسم إنسان عشان تهينه. ثم أكملت رميت فوطة متسخة في وجهي أمام أمك وقلت إن مكاني الطبيعي أخدمكم. قال متوترًا كنت أمزح. نظرت إليه مباشرة. أجل اضحك الآن. لم يضحك. وطال الصمت. وأخيرًا تحدث محاميه. نستطيع التفاوض على إعادة جزء من المبلغ الذي قدمته عائلة القحطاني، مقابل إنهاء إجراءات الطلاق بالتراضي، وتوقيع اتفاق يمنع الإساءة المتبادلة أو التشهير. نظر إليّ الأستاذ ماجد. لكنني كنت قد فكرت بالأمر مسبقًا. لم يكن المال هو الأهم. راحتي النفسية كانت الأهم. فقلت سأعيد جزءًا من المبلغ. ثم أضفت أما المال الذي أضافه والداي فلن يمسه أحد. وهدايا الزفاف ستبقى معي مقابل التكاليف التي تحملتها لإعادة بناء حياتي. ثم نظرت إلى خالد مباشرة. وفي المقابل، توقعون الطلاق. وتتوقفون عن ملاحقتي. وتحذفون أي كلام أو تلميحات عني وعن عائلتي. احمر وجه أم خالد من الغضب. حرامية! لكن المفاجأة جاءت من خالد نفسه. خفض رأسه. ثم قال بصوت منخفض يمه... اسكتي. نظرت إليه وكأنها لا تصدق ما سمعت. وش قلت؟ أعادها للمرة الثانية. قلت اسكتي. يكفي اللي صار. لم أشعر بالانتصار. شعرت بشيء أبرد بكثير. شعرت بأن هذه الصفحة توشك أن تُغلق أخيرًا. وقعنا اتفاقًا مبدئيًا في ذلك اليوم. وبعد يومين وصل الاعتذار المكتوب. كان جافًا. ورسميًا. وواضحًا أن المحامي هو من صاغ معظمه. لكنه احتوى على ما أريده بالضبط. إقرار بأن خالد تصرف بطريقة مهينة. وتعهد بعدم التواصل معي مجددًا. وسحب جميع الاتهامات التي وُجهت إليّ وإلى عائلتي. بعد ذلك سارت إجراءات الطلاق بسرعة. وبعد شهر واحد فقط، لم أعد زوجة خالد القحطاني. عدت سارة العتيبي. مع أنني في الحقيقة لم أتوقف يومًا عن أن أكون سارة العتيبي. ومع مرور الوقت بدأت أسمع أخبارًا متفرقة عن بيت القحطاني. علمت أن أم خالد اضطرت إلى توظيف عاملة منزلية تساعدها في الأعمال اليومية. لكن العاملة تركت العمل بعد فترة قصيرة بسبب سوء المعاملة. وعلمت أن خالد حاول التعرف إلى نساء أخريات. لكن قصة الفوطة ظلت تلاحقه أينما ذهب. في إحدى المناسبات سمعته من خلال أحد المعارف وهو يشتكي من تعليق ساخر قاله له أحد الحاضرين معك فوطة نظيفة اليوم؟ ولا باقي ترمي الناس بالأشياء المتسخة؟ غادر المناسبة غاضبًا. أما أنا... فواصلت العمل في الشركة الجديدة. وبعد ثلاثة أشهر فقط تمت زيادة راتبي. وبعد ستة أشهر أصبحت مسؤولة عن أول مشروع كبير أقوده بنفسي. وفي أحد الاجتماعات قالت لي الأستاذة ريم شغلك فيه شخصية قوية. ابتسمت. وفكرت في نفسي طبعًا فيه شخصية. لقد دفعت ثمن هذه الشخصية من عمري وتجربتي. كان والداي يزورانني كل يوم جمعة تقريبًا. كانت أمي تأتي محملة بعلب الطعام رغم أنني أخبرتها عشرات المرات أنني أصبحت أطبخ لنفسي. أما أبي فكان يفحص الأقفال والنوافذ والمفاتيح الكهربائية كلما دخل الشقة. وكأن طريقته الخاصة في التعبير عن الحب هي التأكد من أن كل شيء حولي آمن. أما نوف فكانت تزورني باستمرار. أحيانًا تحمل قهوة. وأحيانًا تحمل حلوى. وأحيانًا تحمل آخر الأخبار والقصص التي تسمعها. أما ابن عمي فيصل فقد علمني أساسيات الدفاع عن النفس. ليس لأنني كنت أعيش بخوف. بل لأنني أردت أن يتذكر جسدي ما عرفه عقلي بالفعل. أنني قادرة على حماية نفسي. مر عام كامل. عام واحد فقط على ذلك الزواج الذي انتهى أسرع مما بدأ. وخلال ذلك العام اشتريت أول سيارة باسمي. لم تكن فاخرة. ولم تكن جديدة بالكامل. لكنها كانت ملكي. بجهدي. وبعملي. وبمالي. قدتها مباشرة إلى منزل والدي. وأطلقت بوق السيارة أمام الباب. خرجت أمي وهي لا تزال ترتدي مريول المطبخ. نظرت إلى السيارة بدهشة. وش هذي؟ ابتسمت. سيارتي. خرج أبي أيضًا. دار حول السيارة بهدوء. تفحص الإطارات. ثم هز رأسه وقال زينة. وفي لغة أبي... كانت تلك الجملة تعني أنا فخور بك. في تلك الليلة تناولنا العشاء معًا. وبعد أن انتهينا، فتحت أمي الموضوع بحذر. سارة... ندمانة إنك تزوجتي؟ فكرت قليلًا. ثم قلت لا. اتسعت عيناها. لا؟ ابتسمت. ما أندم على الزواج. أتدرين على ماذا كنت سأندم؟ سكتت تنتظر إجابتي. فقلت كنت سأندم لو بقيت. هز أبي رأسه ببطء. ثم قال هذه بنتي. يعتقد كثير من الناس أن قصة الحب تنتهي عندما تخلع المرأة فستان الزفاف. لكن الحقيقة مختلفة. أحيانًا تبدأ القصة الحقيقية في تلك اللحظة. عندما تنزع الوهم عن عينيها. وتحمل حقيبتها. وتلتقط كرامتها من الأرض. ثم تغادر. حتى لو وقف الجميع يصرخون في وجهها ويطلبون منها ألا تفعل. أنا غادرت. واكتشفت أن العالم لا ينتهي عندما تترك المرأة بيتًا تُهان فيه. بل على العكس تمامًا. العالم يبدأ بالانفتاح أمامها. وبعد عدة أشهر، كنت أمشي داخل أحد المراكز التجارية. فمررت أمام متجر للأدوات المنزلية. وفي واجهة المحل كانت هناك فوط مطبخ مرتبة بألوان مختلفة. توقفت للحظة. ونظرت إليها. ثم انفجرت ضاحكة. دخلت المتجر. واشتريت واحدة. صفراء اللون. نظيفة. وناعمة. عدت بها إلى شقتي. وعلقتها بجانب المغسلة. ثم ابتسمت. لم تعد تلك الفوطة رمزًا للخدمة أو الإهانة. أصبحت تذكارًا. تذكارًا بأن المرأة تستطيع غسل صحونها بنفسها دون أن تتحول إلى خادمة لأحد. وتذكارًا بأن الكرامة لا تُباع مقابل زواج. ولا منزل. ولا اسم عائلة. وتذكارًا بأن بعض الناس يحاولون تلويث صورتك لأنهم عاجزون عن السيطرة عليك. وفي مثل هذه اللحظات... قد لا يكون أفضل رد هو الصراخ. ولا الانتقام. ولا الجدال. أحيانًا يكون أفضل رد... أن تبتسم. وتحمل حقيبتك. وتتركهم وحدهم مع الفوضى التي صنعوها بأيديهم.