عانقني وكأنك تحبني
كسر بدران الصمت بصوت منخفض، لكنه هزّ أركان المكان:
— “الجيار”… أليس كذلك؟ طارق الجيار؟
ابتلع طارق ريقه بصعوبة، وحاول رسم ابتسامة تملق مهزوزة:
— نعم.. نعم يا باشا. طارق الجيار، صاحب شركة المقاولات التي نالت شرف تقديم عروض لمشروعكم الجديد.. أنا.. لم أكن أعلم أن الآنسة رنا..
قاطعه بدران بنبرة هادئة، لكنها حملت تهديداً مبطناً جعل فرائص طارق ترتعد:
— المدام رنا.. هي ضيفتي الخاصة الليلة. ويبدو أنك نسيت آداب الحديث في حضوري، تماماً كما نسيت كيف تتصرف كـ “رجل”.
التفت بدران نحو أحد رجاله الذي كان يقف على بعد خطوات إشارة منه، فجاء الرجل مسرعاً:
— تؤمرني يا بدران بيه؟
قال بدران وهو لا يشيح بنظره عن طارق:
— الغِ كل العقود المبدئية مع شركة الجيار للمقاولات. وأبلغ الشركاء أن أي تعامل مع هذا الشخص من الغد، يعني نهاية تعاملهم مع مجموعة المنشاوي بالكامل.
صُعق طارق. هذه الكلمات لم تكن تعني خسارة صفقة فحسب، بل كانت تعني إفلاسه التام وإغلاق شركته خلال أيام. تلاشت كل ذرة كبرياء كانت تعلو وجهه، وتحول إلى شخص يتوسل:
— أرجوك يا بدران بيه! كانت زلة لسان.. لم أكن أقصد.. رنا، أرجوكِ تحدثي إليه، أنتِ تعرفينني، أنا..
لم تلتفت إليه رنا. لأول مرة في حياتها، لم تشعر بالرغبة في البكاء أو الدفاع عن نفسها. نظرت إلى طارق ووجدت رجلًا صغيرًا، تافهًا، يعتمد على كسر الآخرين ليشعر بالقوة.
نظر بدران إلى طارق وقال بجفاء:
— اخرج من هنا. أنت ومن معك. ولا تدعني أرى وجهك في أي محفل يخصني مجدداً.
انسحب طارق وياسمين يجران أذيال الخيبة والفضحة أمام مجتمع النخبة بأكمله، وساد همس مكتوم في القاعة.
التفت بدران إلى رنا، وعادت ملامحه الصارمة لتلين فجأة. نظر إلى عينيها وقال:
— هل أنتِ بخير؟
أومأت رنا برأسها، والدموع تترقرق في عينيها، لكنها كانت دموع راحة وانتصار هذه المرة:
— أنا.. أنا لا أعرف كيف أشكرك. لقد طلبت منك مجرد عناق عابر لإنقاذي من حرج، فأنقذت حياتي بأكملها.. لكنني أشعر بالذنب لأنني تسببت لك في هذه الفوضى.
ابتسم بدران ابتسامة دافئة حقيقية، وأمسك بيدها ليقودها خارج القاعة نحو حديقة الفندق الهادئة:
— لا وجود للفوضى هنا. طارق كان سيسقط عاجلاً أم آجلاً، فمن لا يحترم القلوب التي وثقت به، لا يؤتمن على أموال الناس. أنا فقط عجلت بنهايته.