دين الغائب
— “لكنه كتب كلمة (دَين).”
— “لأنه كان رجلاً يعتز بنفسه، ولا يعرف كيف يقبل المساعدة.”
أصاب هذا الرد ولاء في مقت..لها. لقد كان والدها ميكانيكياً بسيطاً، فخوراً بنفسه، حاد الطباع أحياناً، ولكنه كان كريم الكف في الخفاء. كان ينسى التواريخ المهمة، لكنه يتذكر دائماً أكلتها المفضلة، ولم يكن يسمح أبداً أن تظل بذمته حسابات معلقة.
شربت رنا القليل من الماء وسألتها دون مقدمات:
— “هل توفي والدكِ أنتِ أيضاً؟”
— “نعم.”
— “أمي توفيت العام الماضي.”
لم تبكِ الطفلة. كل ما في الأمر أنها ألقت بالحقيقة العارية على الطاولة ثم طلبت قطعة خبز إضافية. شعرت ولاء أن صدق الطفلة العفوي ذاك كان أكثر حناناً ومواساة من كل عبارات التعزية المنمقة التي سمعتها منذ الجنازة.
بعد العشاء، جلسوا يلعبون “الدومينو”. ربح طارق جولتَين، وربحت رنا الثالثة واتهمته بأنه تعمّد الخسارة لتفوز. نفى ذلك بجدية مبالغ فيها هزت أركان المطبخ بضحكات الطفلة، وكأن شخصاً ما فتح نافذة ليدخل منها الهواء النقي. وعندما حان وقت النوم، احتضنت رنا ولاء بقوة.
— “هل ستأتين مجدداً؟”
— “لا أعلم بعد.”
— “لكن كوكو تريدكِ أن تعودي.”
عندما عاد طارق إلى ردهة القصر، وجد ولاء واقفة عند الباب، ولا تزال ممسكة بالظرف.
— “لا يمكنني إعادته معي مجدداً.”
— “وأنا لا يمكنني قبوله.”
— “مات أبي وهو يعتقد أنه مدين لعائلتكم بشيء ما.”
قادها طارق إلى غرفة المكتبة. أخرج ألبوماً قديماً وثقيلاً ذو غلاف مخملي أخضر. في إحدى الصور، ظهر والده، **إبراهيم**، واقفاً أمام ورشة حدادة وتصليح سيارات، وهو يحتضن شاباً يافعاً تغطي ثيابه الشحوم والزيوت.
توقفت أنفاس ولاء.
— “هذا أبي..”
وكان مكتوباً خلف الصورة: **”ورشة إبراهيم ورزق”**.
قلّب طارق الصفحة. كان هناك رسالة مطوية بعناية تقول: *”إذا احتاجت ابنة رزق إلى مساعدة في أي يوم من الأيام، فعليها أن تقصد آل إبراهيم، فالإخوة لا يتقاضون ثمناً للمعونة”*. غير أن الصفحة الأخيرة من الرسالة كانت ممزقة بعنف.
في تلك اللحظة بالذات، أضاءت شاشة هاتف طارق برسالة نصية من عمته **بدرية**، رئيسة مؤسسة العائلة الخيرية، تقول فيها: *”إياك أن تخبر الفتاة بأي شيء. والدها هو من دمر هذه العائلة”*.
وقعت عينا ولاء على الرسالة وقرأتها. رفع طارق نظره إليها، وقد شحب وجهه تماماً… وأدرك في تلك اللحظة أن الظرف الأصفر لم يكن يخفي دَيناً مالياً، بل كان يخفي سراً خطيراً حمته العائلة وتكتمت عليه لأكثر من 25 عاماً.