دين الغائب
استمعت ولاء للحقيقة بمزيج من الراحة والغضب. لم يكن والدها لصاً، لكنه مات وهو يظن أن أعز أصدقائه قد خانه. تلك النُدبة في قلبه لم يكن بالإمكان مداواتها، لكن الشيء الوحيد الممكن الآن هو منع هذه اللعنة من الانتقال للأجيال القادمة. Ahmad Suliman
### الخاتمة: الغرفة الأخرى للحب
عندما سافر طارق ليعيدها من بلدتها، لم يحمل معه زهوراً أو وعوداً براقة؛ بل أحضر الألبوم المخملي الأخضر، والرسالة كاملة بعد ترميمها، وصورة قديمة مُصلَحة لرزق وإبراهيم وهما يبتسمان أمام ورشتهما. وكانت رنا ترافقه ومعها السلحفاة كوكو في صندوق مهوى؛ لأنها رأت أن “الاجتماع العائلي المهم يحتاج حضور الجميع”.
أدركت ولاء حينها أن طارق لا يحاول إنقاذها أو شراء مسامحتها، بل يريد مشاركتها حياةً يكون للحزن فيها مكان، دون أن يكون له السيطرة. عادت ولاء إلى القصر الفاخر، وبعد أشهر، وبشكل تلقائي، احتلت الكرسي الثالث حول طاولة المطبخ.
وفي الحفل السنوي التالي للمؤسسة، لم يسمح طارق لأحد أن يقيم قيمة ولاء بنوع فستانها أو عطرها أو مهنة والدها؛ بل أعلن أمام الجميع أنها المرأة التي يحبها، وأن رنا اختارتها كأُمّ قبل أن يختارها هو كزوجة. ابتسمت الطفلة الجالسة بجانبهما بأمان من لم يعد يخشى خسارة بيته مرة أخرى.
أما الظرف الأصفر، فقد ظل مغلقاً حتى قررت ولاء تحويل محتواه ليكون النواة الأولى لـ **”صندوق رزق وإبراهيم الخيري”** لدعم أبناء وبنات المتوفين الذين يحتاجون إلى رعاية نفسية، أو مستلزمات دراسية، أو منح لمواصلة تعليمهم. تبرع طارق بأضعاف هذا المبلغ، ولكن هذه المرة دون أن يُمحى اسم الرجل الذي جمعه بعرق جبينه. واختارت رنا سلحفاة صغيرة لتكون شعاراً للمشروع، لتروي في أول حفل للمؤسسة أمام الأرامل والأيتام والشباب: *”إن الحب لا يختفي عندما يموت من نحبهم، بل ينتقل فقط إلى غرفة أخرى في المنزل حتى يفتح له أحدهم الباب”*.
في نهاية الأمسية، نامت رنا على الطاولة بجوار السلحفاة. أفرغت ولاء الظرف أخيراً ووضعت داخله صورة الصديقين القدامى، ثم قامت بطي ثلاث مناديل ورقية على شكل مثلثات متقنة، تماماً كما كان يفعل والدها رزق على أي طاولة يمتد إليها. لمح طارق الحركة ولم ينطق بكلمة، بل ابتسم باحترام.
نظرت ولاء إلى المطبخ الدافئ، الطفلة النائمة، والرجل الذي تعلم أخيراً كيف يطلب المساعدة، ولأول مرة منذ وفاة والدها، لم تشعر بأنها تخلت عنه… بل شعرت أن ذلك “الدَّين” الذي لم يكن له وجود، قد أدى رسالته الحقيقية: لقد قادها إلى العائلة التي حاول رجلان فخوران حمايتها، حتى بعد رحيلهما عن الدنيا.