دين الغائب
### خيوط الأمل وظلال المؤامرة
خلال الأسبوع التالي، انغمس طارق في البحث عن وثائق الورشة القديمة، بينما كانت ولاء تحاول إقناع نفسها بأنها لن تعود إلى ذلك البيت أبداً. لكن رنا الصغيرة حسمت هذا التردد؛ إذ كانت تتصل بها من هاتف والدها لتسألها إن كان بإمكان السلحفاة كوكو أن تأكل المانجو. وبعد ثلاثة أيام، عادت ولاء وفي يدها كتاب مصور عن السلاحف، لتبدأ من هنا ألفة دافئة لم يجرؤ أحد منهما على تسميتها بمسمى رسمي. Ahmad Suliman
تحولت أيام السبت إلى جلسات غداء عائلية ممتدة، ثم تلى ذلك حضور ولاء لمعرض رنا المَدراسي، ثم تلك الليلة العصيبة التي ارتفعت فيها حرارة رنا فاحترق حساء طارق وهو يحاول إعداده، وصولاً إلى زيارة المقبرة حيث وضعت الطفلة زهوراً على قبر والدتها “هند”. لم تحاول ولاء قط أن تأخذ مكان هند؛ بل كانت تتحدث عنها بكل احترام وتسمح لرنا بأن تعبر عن شوقها لأمها، مدركة أن الحب الجديد لا يتطلب محو القديم. أما طارق، فكان يستمع إلى حكاياتها عن رزق دون أن يحكم على لحظات صمته المليئة بالثغرات. نمت بينهما ثقة بنيت من تفاصيل صغيرة: قهوة بالهيل، جدائل شعر أكثر إتقاناً، ومباريات “دومينو” تراقبها السلحفاة كوكو من صندوقها الخشبي.
لكن العمة بدرية كانت تراقب كل شيء. كانت تدير ثروة العائلة ومؤسستها الخيرية منذ وفاة إبراهيم، ورأت في ولاء تهديداً مباشراً. كانت تخشى أن تثبت أي وثيقة قديمة أن جزءاً من إمبراطورية آل إبراهيم الطبية قد أسس بفضل مجهود الميكانيكي البسيط “رزق”، مما قد يجبرها على تقاسم الأسهم والعقارات والمكانة دون استشارة أحد.
قبل الحفل السنوي للمؤسسة، استدعت بدرية ابن أخيها طارق وأطلعتْه على بلاغ قديم يعود إلى 25 عاماً، يُتهم فيه رزق بسرقة أموال الورشة. لاحظ طارق تناقضات واضحة في الأوراق، لكن بدرية أصرت على أن والده إبراهيم دفع المال حينها لتجنيب شريكه القديم السجن.
وفي ليلة الحفل، ووسط قاعة فخمة في أرقى أحياء المدينة غصّت برجال الأعمال والوجهاء، اقتربت بدرية من ولاء، وأمام عدد من كبار الشخصيات، نعتها بـ “ابنة اللص” التي عادت لتبتز العائلة وتسرقهم مرة ثانية، مستخدمة الظرف الأصفر كدليل إدانة. سمعت الطفلة رنا المشادة الحادة، واختفت بين ممرات الفندق من شدة الخوف. عثروا عليها بعد عشرين دقيقة مختبئة في حديقة الفندق الزجاجية وهي ترتجف؛ لأن بدرية كانت قد أخبرتها بأن ولاء تريد طرد روح أمها والاستيلاء على المنزل.