انتقام امرأة

أما بالنسبة لـ “دانيال”, فأصبحتُ أراه الآن أكثر مما كنا نلتقي عندما كان زواجانا قائمين. ليس كثيراً, ولا يبدو الأمر سهلاً؛ فهناك الكثير من الرماد الذي يملأ المسافة بين تلك السنوات وهذه الأيام. لكنه يأتي أحياناً إلى القصر في أيام الإجازات, فنشرب القهوة معاً في الغرفة الخلفية التي كان “مالك” يستخدمها لإجراء مكالماته الهاتفية, ونتحدث في كل شيء.. عدا “جميلة”. الصمت بيننا لم يعد خاضعاً أو مكسوراً, وهذا وحده يكفي.

أما بالنسبة للقصر, فقد احتفظتُ به. لشهور مضت, لم يكن بإمكاني السير في الردهة دون أن يتردد في أعماقي صدى همس “إياد” الدقيق في أذني: «لا تنطقي بحرف. لو لمحكِ مالك واقفة هنا الآن, فأنتِ في عداد الموتى».

لذا, قمتُ بتغيير الإضاءة أولاً.. ثم السجاد.. ثم رائحة الزهور.. وقمتُ باستبدال كاميرات الجناح الشرقي بأكمله بنظام أمني جديد ومتقدم لم تمسه يد “مالك” قط. تخلصتُ من الرداء الذي ارتدته “جميلة”, وألقيت بكؤوس الكريستال التي استُخدمت في تلك الليلة في سلة المهملات. الشيء الوحيد الذي احتفظتُ به كان حاشية ثوب السهرة الأسود الممزقة في مؤخرة خزانتي؛ لأنني بين الحين والآخر, أحتاج إلى ملامسة دليل مادي بيدي يذكرني بأن الغريزة ليست مجرد أوهام أو خرافات.

ما زالت البوابات الحديدية الضخمة تصدر الصوت الميكانيكي الناعم ذاته عندما تُغلق خلف سيارتي. لكن الفارق الوحيد والعميق الآن, هو أنني عندما أسمع هذا الصوت, لا أشعر أنه صوت إغلاق غطاء تابوت.. بل يبدو لي كأنه جرس إنذار أصغيتُ إليه في الوقت المناسب تماماً, فأنقذ حياتي.

تمت

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *