اخو جوزي ٣
اتعدلت في قعدتي وقولت بلهفة:
“أيوة يا معلم مرسي.. أؤمر، في حاجة؟”
ضحك ضحكة صفرا سمعت فيها نبرة طمع قذرة، وقال بصوت واطي:
“الأمر لله يا أميرة.. بس أنا عرفت باللي حصلك والرمية اللي أنتِ فيها دلوقتي، وعارف إنك ست جميلة وتستاهلي تعيشي هانم مش متبهدلة في اللوكاندات. أنا عندي ليكي شقة مفروشة في مكان هادي بعيد عن العيون، ومستعد أتكفل بيكي وبالعيال وماتشوفيش يوم وحش أبداً.. بس طبعاً، كله بتمنه يا حلوة.. وأنا شاري رضاكي.”
حسيت بـ إهانة دوت في وداني زي اللطمة. المعلم مرسي اللي كان بيقف زمان ينظر في الأرض لما بمر من جنبه احترماً لجوزي، دلوقتي بيعرض عليا شقة في السر وعايزني في الحرام لمجرد إنه عرف إني اتفضحت ومبقاش ليا ضهر ولا سند!
قفلت السكة في وشه وأنا برتعش وصوابعي بتخبط في بعضها من القهر.
قعدت على سرير اللوكاندة المتهالك، وبصيت لعيالي اللي نايمين جنب بعض بملابس متبهدلة، وافتكرت جوزي الأولاني الغلبان.. اللي كنت ببص له بقرف وأقرف من عيشته ومن قلة فلوسه، وهو كان بيستحملني ويداري وشه عشان ما يكسر بخاطري. افتكرت طيبته وحنيته ودعاه ليا، ودموعي نزلت بجد لأول مرة.. دموع الندم اللي بتكوي الوش.
أنا اللي ضيعت نفسي بإيدي.. جريت ورا الطمع والشهوة والغل، والنتيجة إني خسرت كل حاجة في لحظة واحدة.
لكن ندمي مكنش هيلحقني من اللي جاي..
تاني يوم الصبح، وأنا نازلة أشتري أكل للعيال، لقيت واقف قدام باب اللوكاندة اتنين رجالة ملامحهم غريبة وشرسة، وأول ما عيونهم جت عليا، قربوا مني بسرعة وواحد منهم مسك دراعي بقوة وقال بلهجة تهديد تجمّد الدم في العروق:
“أنتِ بقى أميرة؟ تعالي معانا بالذوق.. في ناس كبار عايزين يقابلوكي، والموضوع يخص أنور والفلوس اللي سرقها!”
حسيت بروحي بتتسحب مني وإيدي سقعت زي التلج ودراعي متكتف في إيد الراجل الغليظ ده. حاولت أصرخ أو ألم الناس اللي في الشارع، بس التاني قرب مني ووشوشني بصوت فحيحه زي التعبان وهو بيبرز س*لاح أبيض من تحت حزامه:
*”حسي بعيالك اللي فوق يا أميرة.. لو حسك طلع أو عملتي شوشرة، إحنا عارفين هما في أوضة رقم كام بالظبط فوق، ومش هيطلع عليهم نهار. امشي معانا بالذوق وبلاش غباوة.”*
رُكبي خبطت في بعضها من الرعب، والدموع نزلت من عيني زي المطر وأنا بهز راسي بالموافقة من غير ولا كلمة. مشيت وسطهم ورجلي مش شيلاني، ركبوني عربية ميكروباص ستايرها مقفولة بالكامل، وطول الطريق وأنا حاطة راسي بين رجلي وبدعي ربنا يسترها على عيالي اللي سبتهم فوق لوحدهم، وبفتكر كل لحظة ظلمت فيها جوزي الأولاني الغلبان اللي مات بحسرته، وعرفت إن ذنبه بيخلص مني تالت ومتلت.