المديرة التنفيذية

​”يا سيدة، أنا مالكة هذا الصرح. وبسبب هذا التطاول والاعتداء، أنتِ محظورة من دخول أي فرع من فروعنا مدى الحياة. أمن المعرض… فوراً!”

​كانت تلك الكلمات، التي نُطقت بنبرة حازمة تخلو من أي صراخ أو غضب، بمثابة رصاصة الرحمة. لم تصرخ ليلى، ولم تبادلها الشتائم، بل تركت الواقع المرير يسقط بثقله على كاهل امرأة نسيت كيف تكون إنساناً.

​تراجعت رانية خطوة إلى الوراء، وتعثرت بكعبها العالي بشكل مهين. تملكها الذعر وهي تنظر حولها بحثاً عن وجه مألوف أو نصير يبرر نوبة غضبها، فلم تجد سوى شاشات الهواتف الموجهة نحوها ونظرات الاحتقار. جدار الحصانة الذي بنته لسنوات بأموالها ومكانتها الاجتماعية انهار في ثوانٍ. ودون أن تنطق بكلمة، استدارت وركضت خارجاً، تغطي وجهها بحقيبتها الثمينة، وتدفع الباب الزجاجي بارتباك لتختفي في الشارع، بينما تلاحقها همسات السخرية.

​الطريق الطويل إلى القمة: من هي ليلى حقاً؟

​لكي نفهم كيف استطاعت ليلى الحفاظ على هذا الهدوء والوقار أمام تلك الإهانة، علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء. ليلى لم تولد وفي فمها ملعقة من ذهب، ولم ترث إمبراطوريتها على طبق من فضة؛ بل هي امرأة بنت مملكتها بيديها، حجراً بحجر، ودمعة بدمعة.

​قبل ثلاثين عاماً، كانت ليلى تعيش حياة تشبه تماماً تلك التي ظنت رانية أنها تعيشها؛ كانت عاملة بسيطة في مشغل خياطة صغير غير مهيأ، تعمل ١٤ ساعة يومياً وسط ضجيج ماكينات الخياطة التي لا تهدأ. بأصابع مجرحة من الإبر وظهر منحني، تعلمت ليلى قيمة كل خيط، وكل زر، وقيمة الجهد البشري قبل كل شيء.

​وفرت كل قرش استطاعت ادخاره. وفي الوقت الذي كانت فيه الفتيات في عمرها يخرجن للتنزه، كانت هي تقضي لياليها في دراسة إدارة الأعمال على ضوء مصباح خافت، تحارب النعاس فوق كتب استعارتها من معارفها. متجرها الأول لم يكن بوتيكاً راقياً، بل كان طاولة صغيرة في سوق شعبى، تبيع عليها جلابيات وفساتين تخيطها بنفسها ليلاً.

​مع مرور السنين، قادها شغفها بالتصميم وأمانتها المهنية العالية إلى التوسع؛ من متجر صغير إلى معرض أكبر، ثم فرع آخر في مدينة مجاورة، حتى أصبحت المؤسسة والمالكة لواحدة من أشهر وأرقى دور الأزياء في المنطقة. لكن، وخلافاً لرجال وسيدات الأعمال الذين ينسون أصولهم بمجرد وصولهم إلى القمة، قطعت ليلى على نفسها عهداً: ألا تنسى الأرض التي مشت عليها أبداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *