🛑 لم تكن لمياء تعلم أن اليد الملطخة بالدماء التي خرجت من بين الأعشاب في تلك الليلة، ستقلب حياتها رأسًا على عقب إلى الأبد! لم يكن أول ما لفت انتباه لمياء، ذات السبعة عشر عامًا، تلك السيارة الفاخرة التي استقرت محطمة بين الأعشاب الكثيفة، بل كانت يدًا بشرية مضرجة بالدماء تمتد ببطء من بين الشجيرات، تتحرك بحركات ضعيفة كأن صاحبها يتشبث بآخر خيط للحياة، ويتوسل ألا يلفظ أنفاسه وحيدًا في ذلك المكان المقفر. كانت الليلة شديدة البرودة، والريح تعصف بين الأشجار اليابسة بصوت يشبه الهمس المخيف. كانت لمياء تشق طريقها إلى منزلها سيرًا على الأقدام، تحمل كيسًا صغيرًا من المواد الغذائية حصلت عليه من إحدى الجمعيات الخيرية. اختارت المرور من ممر ضيق خلف الطريق السريع بعدما فاتتها آخر حافلة، فلم يكن لديها ثمن سيارة أجرة، كما أن شقيقها الصغير عمر، البالغ من العمر ثماني سنوات، كان ينتظرها في المنزل وهو يصارع حمى مرتفعة ونوبات ضيق تنفس كانت تزداد سوءًا مع مرور الوقت. كانت عائلتها تعيش في منزل متواضع من ألواح الصفيح على أطراف المدينة، حيث تتسرب مياه المطر من السقف كل شتاء، وتغزو حرارة الصيف كل زاوية فيه. أما والدتها، فاطمة، فقد أنهكتها سنوات العمل في تنظيف الفنادق حتى أقعدتها آلام المفاصل عن مواصلة الكسب، بينما اختفى والدها منذ سنوات طويلة، تاركًا خلفه الديون والأحلام المكسورة والوعود التي لم تتحقق. وفي المدرسة، لم تكن لمياء بحاجة إلى مرآة لتعرف حالها؛ فقد تكفل زملاؤها بذلك عندما أطلقوا عليها لقب "فتاة الملابس المكررة"، لأنها كانت ترتدي الثياب نفسها عامًا بعد عام. ومنذ طفولتها تعلمت أن الفقر لا يعني فقط قلة المال، بل يعني أيضًا أن كل يد تمتد إليك غالبًا ما تسبقها عبارة واحدة: "وماذا ستدفعين بالمقابل؟" وبينما كانت غارقة في أفكارها، شق السكون صوت ضعيف بالكاد يُسمع. — أرجوكِ... ساعديني... تجمدت في مكانها، وأخذت تبحث بعينيها عن مصدر الصوت. دفعت بعض الأغصان المتشابكة جانبًا، فإذا برجل في الستين من عمره يرقد على الأرض. كانت بدلته الفاخرة ممزقة ومغطاة بالطين، ووجهه شاحبًا، بينما كان الدم يتدفق بغزارة من كتفه. انحنت نحوه بسرعة، وأخرجت هاتفها القديم وهي تقول بقلق: — لا تتحرك... سأطلب الإسعاف فورًا. لكن الرجل رفع يده المرتجفة، وأمسك معصمها بقوة مفاجئة رغم ضعفه. قال وهو يلهث: — لا... أرجوك... لا تتصلي بالشرطة. اتسعت عيناها بدهشة. — ماذا تقول؟! أنت تنزف! إذا لم أطلب النجدة فقد تموت! هز رأسه بصعوبة، ثم قال بصوت خافت: — الشرطة ستصل... لكنهم سيصلون قبلي. سألته وهي لا تفهم: — من تقصد؟ أجاب وهو يحاول التقاط أنفاسه: — الرجال الذين كانوا يطاردونني... لقد تسببوا في الحادث... وإذا وجدوني حيًا فلن يمنحوني فرصة ثانية. ساد الصمت للحظات. تراجعت خطوة إلى الخلف. داخلها كان صراع مرير. قال عقلها: "اهربي... لا تدخلي نفسك في مشاكل لا تخصك." بينما صاح قلبها: "اتركيه؟! سيموت هنا." تذكرت عمر وهو ينتظرها، وتذكرت أمها التي كانت تردد دائمًا: "ابتعدي عن مشاكل أصحاب النفوذ... الفقير يدفع الثمن دائمًا." وفي اللحظة التي همت فيها بالمغادرة، أغمض الرجل عينيه وهمس بكلمات بالكاد خرجت من بين شفتيه: — لديّ... ابنة... توقفت. لم تعد ترى أمامها رجلًا أنيقًا أو ثريًا، بل أبًا يخشى أن يموت قبل أن يرى ابنته للمرة الأخيرة. اقتربت منه من جديد وسألته بهدوء: — ما اسمك؟ فتح عينيه بصعوبة وقال: — كامل. لم تتردد لحظة. ألقت كيس المساعدات على الأرض، فتدحرج الخبز وعبوات الحليب فوق الطين. نزعت الكيس الورقي، وطوته عدة مرات، ثم ضغطت به بقوة فوق الجرح لإيقاف النزيف. بعدها خلعت سترتها الوحيدة، وغطته بها رغم برودة الجو. وقالت بنبرة حازمة: — اسمعني جيدًا... لا تغلق عينيك... مهما شعرت بالتعب... لا تنم. حاول أن يبتسم ابتسامة باهتة. وفجأة... شق ظلام الليل ضوء قوي. توقفت سيارة على الطريق السريع. ثم ثانية... ثم ثالثة. انفتحت الأبواب بعنف، وانتشرت أضواء الكشافات بين الأشجار. سمعا أصوات رجال يصرخون: — فتشوا المكان كله! وقال آخر: — الزعيم أكد أنه لا يمكن أن يكون ابتعد كثيرًا. ورد ثالث ببرود: — إذا كان ما يزال حيًا فسنأخذه... وإذا مات... سندفن السر معه. حبس كامل أنفاسه. أما لمياء، فقد أدركت أن اختباءهما لن يدوم طويلًا. نظرت حولها سريعًا، ثم اتخذت قرارًا بدا أقرب إلى الجنون. وقفت من مكانها، ومسحت يديها الملطختين بالدم، ثم خرجت بنفسها نحو أضواء الكشافات. ما إن رأوها حتى صرخ أحد الرجال: — توقفي مكانك! ثبت الضوء على وجهها. تقدم رجل ضخم وسألها بلهجة حادة: — ماذا تفعلين هنا؟ قالت بهدوء حاولت أن تصطنعه: — عائدة إلى منزلي. نظر إليها من رأسها حتى قدميها، ثم سأل: — هل رأيتِ رجلًا مصابًا؟ أجابته دون أن يرف لها جفن: — لا. اقترب أكثر. — إذًا... لماذا ترتعدين؟ ابتلعت ريقها، ثم قالت بابتسامة خفيفة: — لأن رجالًا يحملون أسلحة ويجوبون هذا المكان المظلم في منتصف الليل لا يمنحون فتاةً تسير وحدها شعورًا بالأمان. ساد صمت قصير. ثم ضحك أحد الرجال بصوت مرتفع. وقال ساخرًا لرفيقه: — دعها... انظر إلى ملابسها... مجرد فتاة من العشوائيات... حتى لو اختفت الليلة فلن يسأل عنها أحد. ضحك البقية. واستداروا مبتعدين. كانت تلك الكلمات المهينة، التي جرحت كرامتها، هي نفسها السبب الذي أنقذ حياتها وحياة الرجل المختبئ خلف الأشجار. انتظرت حتى اختفت الأضواء تمامًا. ثم عادت مسرعة إلى كامل. قالت وهي تمد ذراعها إليه: — هيا... يجب أن نغادر قبل أن يعودوا. استند إليها بكل ثقله. كانت خطواتهما بطيئة ومتعثرة، لكنها أصرت على مواصلة السير حتى وصلا إلى مستودع قديم مهجور خلف منزلها. ما إن دخلت حتى شهقت والدتها. — يا إلهي... من هذا الرجل؟ أما عمر، فقد كان يراقب المشهد وهو يسعل بصعوبة. جلس كامل على صندوق خشبي، ثم رفع رأسه وقال بصوت متعب: — اسمي... كامل المنصوري. سقطت قطعة القماش من يد فاطمة. حدقت فيه غير مصدقة. همست: — كامل المنصوري؟! رجل الأعمال الذي لا يخلو يوم من ذكر اسمه في الأخبار؟ أومأ برأسه. ساد الصمت. ثم قال بأسى: — شريكي الذي وثقت به لسنوات خانني. سألته فاطمة بحدة: — كيف؟ تنهد طويلًا، ثم قال: — اكتشفت أنه يختلس ملايين الريالات من مشروع العيادات الطبية المتنقلة المخصص لعلاج أطفال القرى الفقيرة. انعقد حاجبا فاطمة. وقالت بغضب واضح: — تقصد أن رجلًا يسرق أموال علاج الأطفال المرضى ليزيد ثروته؟ خفض كامل رأسه خجلًا. ثم قال بصوت مكسور: — نعم... وللأسف... احتجت وقتًا طويلًا حتى أكتشف الحقيقة. وقبل أن يكمل حديثه، انطلقت من عمر نوبة سعال عنيفة. انحنى الصغير وهو يلهث محاولًا التقاط أنفاسه. أسرعت لمياء نحوه وهي تمسك بيده. راقبه كامل للحظات، ثم قال بجدية: — هذا الطفل يحتاج إلى طبيب متخصص فورًا... التأخير قد يكون خطيرًا. نظرت إليه لمياء بصمت. فقال: — إذا ساعدتِني في الوصول إلى اجتماع مجلس الإدارة صباح الغد، أتعهد أمامك بأن أتولى علاج شقيقك بالكامل، مهما بلغت التكلفة. رفعت رأسها إليه، وقالت بثبات: — أنا لم أنقذك لأحصل على مكافأة. ابتسم كامل رغم ألمه. وقال وعيناه تلمعان بالامتنان: — أعرف ذلك... ولهذا السبب بالذات... لا أستطيع أن أثق بأحد سواك. وقبل أن يطلع الفجر بقليل... توقفت ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء أمام الحي. ساد التوتر داخل المنزل. ثم دوى طرق قوي على الباب. نظر الجميع إلى كامل. قال الرجل خلف الباب: — سيد كامل... أنا باسم. تبادل كامل النظرات مع لمياء. ثم أكمل الرجل: — أرسلتني الآنسة مريم... والكلمة السرية هي... "فطير يوم الجمعة". تنفس كامل بارتياح واضح. وقال: — إنها الكلمة الصحيحة. لكن لمياء لم تشعر بالاطمئنان. اقتربت من النافذة بحذر شديد، وأزاحت الستارة قليلًا. وفي اللحظة التالية... تجمد الدم في عروقها. فخلف سيارات الإنقاذ، وعلى مسافة قصيرة، كانت تقف سيارة رمادية تعرفها جيدًا. إنها السيارة نفسها التي كان يستقلها الرجال الذين بحثوا عن كامل قبل ساعات. وفي مقعد السائق... كان أحد المسلحين يجلس مبتسمًا ابتسامة خبيثة، يرفع هاتفه ويوجه كاميرته نحو المنزل، وكأنه يوثق كل حركة بداخله. أدركت لمياء في تلك اللحظة أن الخطر لم ينتهِ... بل ربما كان على وشك أن يبدأ.