رجعت من الشغل ٢

أحمد قعد قدامه وقال:

ـ دلوقتي هتحكيلي كل حاجة… ومش هتخبي عني حاجة.

يوسف سكت شوية…

وبعدين بدأ يحكي، من غير دموع، كأنه حافظ الكلام.

حكى إزاي كانوا بيمنعوا عنه الفطار.

وإزاي كانوا يفضلوا يصحوه لحد الفجر عشان ينضف الشقة.

وإن كريم كان كل شوية يضربه بالقلم أو يزقه، ولو اشتكى، مراته كانت تقول إنه كذاب.

وإنهم خبوا موبايله، وكل ما المدرسة كانت تتصل، مراته كانت ترد بدل منه.

وبعدين قال الجملة اللي وجعت أحمد أكتر من أي حاجة.

ـ فاكر عيد ميلادي؟

هز أحمد راسه.

ـ كنت كلمتني يومها… وهي قالتلك إني نايم.

أنا ماكنتش نايم…

أنا كنت واقف تحت البلكونة، بتفرج

عليهم وهم بيحتفلوا بعيد ميلادي… بس التورتة والشموع والهدايا كلها كانت لكريم.
أحمد حس إن قلبه بيتقطع.

لمحة نيوز
لكن يوسف كمل.

ـ في حاجة تانية.

أنا لقيت حامل الكوباية الفضة اللي ماما كانت سايباهولي…

مراتك مخبياه في درج الكومودينو.

طلع أحمد على أوضة النوم.

فتح الدرج.

فعلاً لقى القطعة الفضة ملفوفة في منديل.

لكن اللي كان تحتها هو اللي خلى جسمه كله يقشعر.

إيصالات رهن.

وكروت بنكية بأسماء ناس ميعرفهمش.

وملف لونه بني، مكتوب عليه بخط كبير:

“الأرامل.”

أحمد فتح الملف…

وأول ورقة وقعت في إيده خلته يفهم إن اللي حصل لابنه… كان مجرد بداية.

أما الحقيقة…

فكانت أبشع بكتير مما كان يتخيل.

## الجزء الثاني والاخير
أحمد وقف قدام الدرج، صوابعه بتترعش وهو ماسك الملف البني. الريحة اللي طالعة من الأوراق كانت ريحة تراب قديم وقرارات متهورة. فتح الورقة الأولى، وكانت الصدمة زي صفعة على وجهه.
الملف ما كانش مجرد أوراق شخصية، ده كان “دفتر حسابات” لشبكة نصب منظمة بتستهدف أرامل وأثرياء كبار في السن تحت غطاء جمعيات خيرية وهمية. واسم مراته “نجلاء” كان متكرر في كذا صفقة عقارية مشبوهة، ومعاها شريكها الأساسي… كريم.
كل قطعة دهب وكل جنيه كان أحمد بيبعته من شغله الشاق في السفر عشان يبنيلهم

حياة كريمة، كان بيتصرف على سهرات كريم ورهاناته، بينما ابنه الوحيد بيتهان في بيته. الكدمات اللي شافها على دراع يوسف مكنتش مجرد قسوة عادية، دي كانت نتيجة إن يوسف في مرة شاف كريم وهو بيحرق أوراق تخص الملف ده، وحاول يمنعه، فهددوه إنه لو فتح بوقه هيقتلوه أو يلفصوله قضية.
أحمد أخد نفس عميق، وابتلعب غضبه. الدم اللي في عروقه اتحول لثلج. قفل الملف، وحطه في شنطته، ونزل جاب لابنه فطار تاني وفلوس، وقال له بصوت حاسم:
ـ جهز شنطة خفيفة فيها كل أوراقك وشهداتك… الساعة عشرة هتكون عند خالتك الكبيرة، ومحدش هيعرف مكانك غيري.
يوسف خاف:
ـ بابا، هم راجعين يوم الأحد، هيقتلونا!
ـ متخافش يا يوسف… اللعبة خلصت، واليوم ده هو اللي هيحدد مين اللي هيمشي من البيت للأبد.
يوم الأحد بالليل، الساعة كانت اتناشر ونص.
باب الشقة اتفتح بصوت عالي، ودخلت نجلاء وهي بتضحك بصوت عالي، وراها كريم وهو شايل الشنط، وبيقولوا بسخرية:
ـ يا رب يكون الواد خلص غسيل الهدوم عدل، أحسن والله العظيم أربطه في البلكونة للصبح!
نجلاء دخلت الصالة، بس وقفت مكانها فجأة.
الشقة كانت منورة بنور أصفر هادي. وأحمد قاعد على كرسي السفرة، قدامه كوباية قهوة، وفاتح لاب توب، وموصله بشاشة عرض كبيرة على الحائط.
نجلاء بلعت ريقها برعب وقالت بصوت متبل:
ـ أ… أحمد؟ إنت جيت امتى؟ مش كنت راجع الأحد اللي بعد الجاي؟
أحمد بص لها بهدوء مرعب، وقال بصوت واطي:
ـ نسيت شنطتي الأساسية فرجعت بدري… أهلا يا كريم، نورت البيت، أو… المفروض أقول “مقر العمل”.
كريم حاول يستطير عصبيته وتقدم:
ـ تقصد إيه يا ابن…
ـ اخرس خالص!
أحمد قالها بصوت هز الحوائط، وداوس على زرار في اللاب توب.
الشاشة الكبيرة عرضت فيديو عالي الدقة: يوسف وهو بيغسل الهدوم بإيده في الضلمة، ودراعه المملوء بالكدمات، وصوته وهو بيحكي كل تفصيلة عن الضرب والمنع من الأكل. وبعدها ظهرت صور إيصالات الرهن، والملف البني، وصور لنجلاء وهي بتستلم مبالغ ضخمة من ناس مسنين في كافيهات بعيدة.
نجلاء سقطت الشنطة من إيدها، ووشها اصفر وبقى زي الكفن:
ـ إنت… إنت فتشتا الأوضة؟! دي تسلط على…
ـ دي فضيحة يا نجلاء!
أحمد قام وقرب منهم خطوة بخطوة، وطلع من جيبه فلاشتين وثائق ومستندات، وكمل ببرود:
ـ النسخة دي مع مباحث الأموال العامة، والنسخة التانية مع محامي البنك اللي كريم أخذ منه القرض بضمان توقيع مزور لراجل عجوز مات من شهرين. يعني بالبلدي كده… أنتوا الاتنين رايحين في داهية، ومش بس طلاق وجرجرة في المحاكم، دي قضية تزوير ونصب وكمان تعذيب قاصر.
كريم اتجنن وهجم على أحمد بسكين كان طلعه من جيبه، لكن أحمد كان متوقع الخطوة دي كويس. في ثانية واحدة، باب الشقة اتفتح ودخل أمين شرطة وضابط مباحث كانوا مستنين الإشارة بره، وفي لحظة كان كريم على الأرض ومكتوف الأيدين، والكلابشات في إيد نجلاء اللي كانت بتصرخ وتبكي وتطلب السماح.
بعد مرور شهرين…
الشقة رجعت هادية، بس هالتي الضلمة والقسوة اختفت منها تمامًا. ريحة البان كيك بالشوفان كانت مالية المطبخ الصبح، ويوسف كان قاعد على نفس السفرة، بس دي المره دراعه سليم، وابتسامته رجعت تزين وجهه.
أحمد حط الطبق قدام ابنه، وقعد جنبه، وباس رأسه بحنان وقال:
ـ خلاص يا بطل، الأيام السودة راحت، ومفيش حد يقدر يمنعك بعد كده من أي حاجة نفسك فيها.
يوسف بص لأبوه بعيون لامعة ودموع فرح:
ـ يعني مش هسيبك تاني يا بابا؟
ـ ولا دقيقة واحدة… أنا وسفر الشغل بقينا في الماضي، الجاي كله ليك وبس.
وعلى شرفة البلكونة اللي كانت يوم في الضلمة والوجع، كان النور ساطع، والهواء نضيف، والحياة بدأت تبتسملهم من جديد.

متابعة القراءة
الصفحة 1
من 2 صفحة
الصفحة 2
شارك

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *