مريم – محمد نور

— بابا، لماذا تبكي أمي داخل السيارة قبل أن تصعد إلى البيت؟

سؤال «يوسف»، صاحب الثمانية أعوام، جعل «طارق» يسقط ملعقته داخل الكوب.

— ماذا قلت؟

أشار الطفل نحو نافذة غرفته:

— عندما تعود من العمل تبقى أسفل البناية. أحياناً تغطي وجهها، ثم تغير قميصها في السيارة وتضع الملابس في حقيبة. ظننت أنك تعرف.

لم يكن طارق يعرف.

كانوا يعيشون في شقة بحي السيدة زينب بالقاهرة. منذ أن طبقت شركته نظام العمل من المنزل، وهو يقضي أيامه أمام شاشتين ولياليه متعباً للغاية عن الكلام. كانت «مريم» تصل، تسأل عن واجبات يوسف المدرسية، تعد عشاءً سريعاً، ثم تستحم.

في ذلك المساء، سمع صوت محرك سيارة مريم ونظر من خلف الستارة.

ركنت السيارة.

لكنها لم تنزل.

لمدة خمس دقائق تقريباً ظلت منحنية على عجلة القيادة، ثم بدأت كتفاها تهتزان.

كانت تبكي.

بعدها أخرجت حقيبة من المقعد الخلفي، خصلت بلوزتها وارتدت قميصاً نظيفاً.

عندما دخلت البيت، ابتسمت كعادتها.

— هل كل شيء بخير؟ — سأل طارق.

— نعم، ضغط عمل كبير فقط.

بدت الإجابة متدربة للغاية.

في اليوم التالي، وبينما كانت مريم تستحم، نزل طارق إلى المرأب وفتح سيارتها.

تحت المقعد وجد الحقيبة.

كان فيها بلوزتان، وسترة خفيفة، ومشفة صغيرة. كان كل شيء يفوح برائحة المطهرات، الرطوبة، والأدوية. لكن فوق تلك الرائحة كانت هناك رائحة أخرى: عطر ورد سكري لم تكن مريم تضعه أبداً.

في الجيب الداخلي وجد ورقة مكتوب فيها:

“دونيبزيل: في الصباح.”

“ميمانتين: بعد العشاء.”

“إغلاق صنبور الماء.”

“التأكد من الباب.”

“ترك الطعام جاهزاً.”

بحث طارق عن الأسماء على الإنترنت: علاج لمرض الزهايمر وخرف الشيخوخة.

طوال أسبوع، أخذ يراقب المواعيد، المكالمات، والتفاصيل الصغيرة. كانت مريم تتحدث كثيراً مع امرأة مسجلة باسم «فاطمة الممرضة». في بعض الأيام كانت تخرج قبل موعدها بساعة وترجع عند التاسعة مساءً.

في النهاية، قرر أن يتبعها.

لم تذهب مريم إلى مكتبها، بل قادت سيارتها نحو حي قديم في منطقة شبرا، وركنت أمام بناية رمادية ثم دخلت بحقيبة طعام.

خرجت بعد سبعين دقيقة ببلوزة أخرى. داخل السيارة غيرت ملابسها، ورشت ذلك العطر الرخيص على عنقها، وبكت قبل أن تدير المحرك.

في تلك الليلة، انتظرها طارق في المطبخ تحت أضواء خافتة.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *