مريم – محمد نور

— بابا يقول إنها ليست محترقة — أعلن الطفل — يقول إنها “مكرملة”.

— لا تستخدم كلماتي ضدي — احتج طارق.

ضحكت مريم.

على الطاولة كان هناك قهوة، فاكهة، وورقة صغيرة مطبوعة.

— ما هذا؟ — سألت.

كاد يوسف ينفجر من الحماس:

— سنذهب في رحلة!

رفع طارق حاجبيه:

— لم تستطع حفظ السر لـ 10 دقائق؟

— صمدت 12 دقيقة!

نظرت مريم إلى الورقة.

كان حجزاً لليلة واحدة في بيت ريفي بجبال فايدة، مع مسارات مشي، خيول، ومطعم صغير.

— لماذا؟

هز طارق كتفيه:

— منذ سنتين تقريباً قلت إنك ترغبين في قضائها 24 ساعة في مكان لا يطلب منك فيه أحد أي شيء.

لم تكن مريم تتذكر الجملة.

أضاف يوسف:

— وقيل أيضاً إنك تريدين ركوب الخيل.

حينها عادت الذاكرة إليها. كان ذلك في مسائيات عادية، أثناء مشاهدة فيديو على الهاتف. جملة عابرة دون أهمية. أو هكذا ظنت.

— البارحة كنت على الكمبيوتر من أجل هذا؟ — همست.

أومأ طارق.

غطت مريم فمها وبدأت تبكي.

نظر يوسف نحو النافذة:

— أنا لا أرى شيئاً!

ضحكت هي بين دموعها.

قبل الخروج، نزلت مريم إلى المرأب ل أخذ جاكيت. في حقيبة السيارة كانت لا تزال الحقيبة القديمة التي خفّت فيها لشهور ملابس متسخة، وأدوية منسية، وعطر أمها.

أمسكت بها لثوانٍ.

تلك الحقيبة كانت ملاذاً مضحكاً لحياتين منفصلتين: الابنة المرهقة التي تعتني بإلهام، والزوجة التي تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.

طوتها ورقتها في سلة المهملات.

في الريف، ركض يوسف نحو السياج حيث كانت هناك خيول ترعى.

بقيت مريم بجوار السيارة.

اقترب طارق:

— فيم تفكرين؟

— في أمي، في والدك، في والدتك، وفينا.

— إذن اخترت خطة مريحة للأعصاب جداً!

ابتسمت، ثم نظرت إلى يوسف:

— لا أريده أن يكبر وهو يظن أن الحب يعني الصمت لكي لا ننزعج.

— ولا أنا.

— إذا كان هناك شيء يؤلم، نتحدث عنه.

— حتى لو كان غير مريح.

— خاصة إذا كان غير مريح.

مد طارق يده إليها، فأخذتها مريم.

ومن بعيد صرخ يوسف:

— بابا! ماما! تعالا!

مشى الاثنان نحوه.

ستستمر إلهام في النسيان.

وسيستمر رأفت في التذكر أكثر من اللازم.

وستتعلم والده طارق أن الاعتذار لا يلغي العواقب.

وسيتعين على طارق إصلاح عادات خلط بينها وبين العادية لسنوات.

وستظل لمريم أيام يغلبها فيها التعب.

لكن شيئاً واحداً تغير إلى الأبد.

في هذه العائلة، لن ينتقل الصمت بعد الآن من الآباء إلى الأبناء وكأنه تقليد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *