مريم – محمد نور

بينما كانت مريم تعد الدواء، وجدت إلهام صورة قديمة داخل صندوق.

كان يظهر فيها مجموعة من العمال أمام مبنى مصنع.

— كنت أعمل هناك — قالت إلهام.

تجمدت مريم.

وشعر طارق بتوتر الجو.

— هل تتذكرين رأفت؟ — سألت مريم بحذر.

قطبت إلهام حاجبيها:

— رأفت… الطويل؟

— نعم.

ثوانٍ قليلة، وبدا أن عينيها تركزان على شيء بعيد جداً.

— كان يتحدث كثيراً.

جلس طارق قبالتها:

— ماذا حدث معه؟

بدأت إلهام تفرك أصابعها:

— كان هناك خوف. كانوا يريدون إغلاق أقسام. قالوا إن هناك تسريحاً للعمال. والإدارة كانت تسأل من ينظم الاحتجاجات.

ركعت مريم بجانب أمها:

— وماذا فعلت أنت؟

بلعت إلهام ريقها:

— كان لدي ابنتان صغيرتان. ووالدك كان مريضاً. قالوا لي إذا كنت أعرف شيئاً ولم أتحدث، فقد يطردونني أنا أيضاً.

امتلات عيناها بالدموع:

— كتبت أسماء.

شعر طارق بضغطة في صدره:

— اسم رأفت؟

نظرت إليه إلهام. وللحظة بدا أنها عرفت بالضبط من يكون.

— نعم.

غطت مريم فمها:

— أمي…

— بعدها عرفت أنهم عاقبوه. أردت أن أقول إنني بالغت، وأنهم كانوا فقط غاضبين… لكن كان الوقت قد فات. وخفت مجدداً.

سادت اللحظة صمت، ثم نظرت إلى الصورة بحيرة:

— من هؤلاء الناس؟

كانت الذاكرة قد أغلقت بابها للتو.

بدأت مريم تبكي دون صوت.

كان طارق يتوقع أن يشعر بالكره تجاه هذه المرأة، تخيل ذلك طوال الصباح، وظن أن رؤيتها تؤكد القصة ستثير فيه غضباً لا يمكن السيطرة عليه.

لكن أمامه الآن عجوز لم تعد تستطيع الاحتفاظ بذكرى خطيئتها ل دقيقة واحدة.

هذا لم يمح ما حدث، ولم يصلحه، بل جعل الانتقام البسيط أمراً مستحيلاً.

عند الخروج، جلس طارق ومريم داخل السيارة دون إدارة المحرك.

— ليس عليك مسامحة والدي — قال لها.

نظرت مريم من النافذة:

— وأنت ليس عليك مسامحة أمي لمجرد أنها مريضة.

— لا أريد تحويل هذا إلى منافسة لمعرفة أي عائلة ألحقت ضرراً أكبر.

— ولا أنا.

تنفس طارق بعمق:

— إذن أريد أن أبدأ بالشيء الوحيد الذي يمكنني إصلاحه.

نظرت إليه مريم.

— لقد تركتك وحدك.

خفضت عينيها.

— لم أكن أعرف عن أمك لأنني توقفت عن السؤال. كلما عدت متعبة، كنت أظن أنك ستخبرينني إذا كان الأمر مهماً. كلما رن هاتفك ورأيت اسمها، كنت أبدي تبرماً. علمتك أن الحديث معي سيكلفك طاقة أكبر من الصمت.

مسحت مريم دمعة:

— كان يجب علي أنا أيضاً أن أخبرك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *