مريم – محمد نور
— لقد تبعتك اليوم.
تجمدت مريم في مكانها.
— أريد أن أعرف من يعيش في تلك الشقة.
لم تدافع عن نفسها، ولم تسأل لماذا انتهك خصوصيتها.
أخذت المفاتيح فقط وقالت:
— تعالي معي.
— الآن؟
— الآن. وعندما ترى ما وراء ذلك الباب، ستفهم لماذا أعود إلى البيت منذ أشهر وأنا أحمل رائحة امرأة أخرى.
خرج طارق خلفها وهو يعتقد أنه وأخيراً سيكتشف خيانة…
لم يكن يعلم بعد أن ما سيجده هناك كان ينتظر منذ أكثر من أربعين عاماً ليدخل عائلته.
الجزء الثاني
فتحت مريم باب الشقة بمفتاحها الخاص.
— إذا فزعت، لا ترفع صوتك. هناك أيام لا تعرف فيها من أكون.
كانت الرائحة هي نفسها: مطهرات، أدوية، وعطر الورد.
ظهرت سيدة عجوز ذات شعر أبيض في الممر.
— مريم؟
— نعم يا أمي، أنا هنا.
على الثلاجة كانت هناك لافتة: “اسمك إلهام. أنت في بيتك. نحن في عام 2026. اتصلي بمريم إذا شعرت بالخوف.”
كانت إلهام تأن من الزهايمر. كانت هناك ممرضة تعتني بها لبعض الساعات، بينما تذهب مريم كل صباح لتعطيها الدواء وتعود في المساء ل تطبخ وتغسل وترتب كل شيء.
عندما سكبت إلهام الحساب على مريم، غيرت مريم ملابسها دون أن تتذمر.
— ضعي من عطري يا ابنتي، الرائحة هنا تشبه المستشفى.
فهم طارق فجأة سر العطر والملابس والدموع.
— لماذا لم تخبريني؟
— لأن أمي كلما اتصلت، كنت تقول أنت: “مشاكل جديدة مجدداً”. ولأنني كنت أعرف ماذا ستقول حين ترى المصاريف.
بدأ طارق يساعدها.
إلى أن وجد كراساً قديماً يخص إلهام.
شحبت مريم.
— في عام 1984 كان والدك وأمي يعملان في مصنع في منطقة حلوان. وأثناء احتجاج ضد تسريح العمال، قاد والدك مجموعة من الزملاء. كتبت أمي تقريراً بأسمائهم وسلمته للإدارة.
شعر طارق ببرودة تسري في جسده. حينها حرم والده «رأفت» من الترقية وعوقب لسنوات.
اتصل بوالده.
— بابا، هل تعرف من الذي بلغ عنك؟
ساد الصمت.
— تعال غداً بمفردك. حان الوقت لتعرف لماذا لم نتقبل زوجتك حقاً من قبل.
الجزء الثالث
في الساعة الثامنة والربع من صباح اليوم التالي، كان طارق يجلس قبالة والده في المطبخ الذي تناول فيه إفطاره منذ طفولته.
كان رأفت، ذو الأربعة وسبعين عاماً، قد أعد كوبين من القهوة، ولم يمس أياً منهما.
— منذ متى وأنت تعرف؟ — سأل طارق.
نظر والده إلى الطاولة.
— منذ 11 عاماً.
ظن طارق أنه سمع خطأً.