الوصية – محمد نور

مر أسبوعان قبل أن تتجمع لدى كريمة الشجاعة لزيارة ذلك المستودع الصدئ في ذلك الشارع المأهول بالهدوء.

عندما فتحت القفل بالمفتاح الذي أعطاها إياه المحامي، استقبلتها رائحة نشارة الخشب وزيت الكتان النفاثة.

كانت طاولة العمل تمتد على طول الجدار، وفوقها عُلقت كل أداة يدوية داخل رسم تخطيطي دقيق باللون الأسود على اللوحة الجدارية.

وبينما كانت تسير إلى الداخل، لاحظت شقاً رأسياً خفيفاً يمتد من الأرض إلى السقف خلف كومة من الخشب.

كان باباً مخفياً، متساوياً مع الجدار، به ثقب مفتاح نحاسي صغير دون أي مقبض.

بعد بحث حثيث في أدراج طاولة العمل، وجدت مفتاحاً نحاسياً صغيرة ملصقاً بشريط في القاع السفلي للدرج الأوسط.

ضغطت المفتاح في القفل، ودارت به، لينفتح الباب إلى الداخل كاشفاً عن غرفة سرية تعادل ضعف حجم ورشة العمل نفسها!

كان ضوء الصباح يتدفق من نافذة عالية، يضيء مجموعة مذهلة من الأثاث المصنوع يدوياً بإتقان شاهق.

طاولة طعام، وستة كراسي فاخرة، ومكتبة عالية، وإطار سرير من خشب الزان الصلب، وكرسي هزاز، ومكتب كتابة أنيق يقف في ذلك الفضاء الهادئ.

كل قطعة منها كان يعلوها بطاقة ورقية صغيرة معلقة بخيط قطني، وعلى كل بطاقة كُتب بخط والدها الثابت: “إلى كريمة”.

انهارت كريمة على الأرض وهي تبكي، بعد أن أدركت أن والدها أمضى أربعين عاماً يبني لها بيتاً كاملاً في خفاء تام!

في الدرج العلوي لمكتب الكتابة، وجدت دفتر مذكرات جلدياً بعنوان: “دفتر أثاث توفيق ورشة – الجزء الأول”.

كان يفصل عقوداً من الحرفية العالية لمهندس أثاث عالمي تحت اسم مستعار مركب من اسمه واسم عائلة زوجته قبل الزواج.

وتحت الدفتر، وجد دفتر توفير بنكي يظهر حساباً مشتركاً باسميهما بفيصل مالي يتجاوز الثلاثمائة ألف دينار!

لقد أخفى الحاج توفيق نجاحه الهائل كصانع أثاث عالمي لحماية هذا الميراث من جشع أبنائه الآخرين.

اتصلت كريمة بـ “عمي أبو أحمد”، صديق والدها القديم وصاحب محل أدوات البناء، الذي أسرع إليها في دقائق.

اعترف أبو أحمد بأنه وتجار آخرين كتموا سر والدها لأكثر من ثلاثين عاماً، لحماية فنّه وفلسفته المتوارية عن الأنظار.

ناولها أبو أحمد كتالوجاً فنياً صقيلاً يعرض أعمال والدها، والمُقوّمة بعشرات الآلاف لكل قطعة.

وقال لها بنبرة دافئة: “لقد احتفظ بأفضل القطع لكِ يا كريمة.. وغلّف ميراثكِ بتقييم قيمته عشرة دنانير حتى لا ينظروا إليه أبداً.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *